الاثنين، 5 سبتمبر 2011

عن الطغيان و الفساد


إن من أبرز ما يميز (فى ظلال القرآن) هو التناول العميق لمعانى الآيات و جوانب أحداثها من شتى الأوجه و فى سورتين من جزء عم الذى يقول عنه صاحب الظلال رحمه الله:
 
’’ هذا الجزء كله ذو طابع غالب . . سوره كلها من قصار السور على تفاوت في القصر
 .
والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة - على وجه التقريب - في موضوعها واتجاهها , وإيقاعها , وصورها وظلالها , وأسلوبها العام .
إنها طرقات متوالية على الحس .
 طرقات عنيفة قوية عالية .
 وصيحات .

 صيحات بقوم غارقين في النوم ! نومهم ثقيل !
 أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخمار !
أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء !
تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد:اصحوا
. استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا . . إن هنالك إلها . وإن هنالك تدبيرا . وإن هنالك تقديرا . وإن هنالك ابتلاء . وإن هنالك تبعة . وإن هنالك حسابا . وإن هنالك جزاء . وإن هنالك عذابا شديدا . ونعيما كبيرا . . اصحوا . استيقظوا . انظروا تلفتوا تفكروا تدبروا وهكذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة.
ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزا عنيفا . .
وهم كأنما يفتحون أعينهم ينظرون في خمار مرة , ثم يعودون لما كانوا فيه !
فتعود اليد القوية تهزهم هزا عنيفا ; ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد ; وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب
. . وأحيانا يتيقظ النوام ليقولوا:في إصرار وعناد:لا . . ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء . .
ثم يعودون لما كانوا فيه .
فيعود إلى هزهم من جديد
.
هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء . وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد , عظيمة القدر , ثقيلة الوزن . وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب . وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس . وعلى أحداث معينة في يوم الفصل . وأرى تكرارها مع تنوعها . هذا التكرار الموحي بأمر وقصد !‘‘

و فى سورتين من هذا الجزء نشاهد موقف فرعون من رسول الله موسى – عليه السلام – و موقف من حوله و عاقبتهم ، لا بشكل الاطلاع التاريخى على الأحداث و لكن بشكل المشاهدة و المعايشة و التدبر و التفكر.
ففى سورة النازعات يقول المولى عز وجل

[فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ،فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ] الآية 21-26 سورة النازعات
و فى سورة الفجر يقول عز من قائل
[وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]  الآية 10-14 سورة الفجر

و يقول صاحب الظلال -رحمه الله- عن هذه الآيات:

(فكذب وعصى). . وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال !
ثم يعرض مشهدا آخر . مشهد فرعون يتولى عن موسى , ويسعى في جمع السحرة للمباراة بين السحر والحق . حين عز عليه أن يستسلم للحق والهدى: (  ثم أدبر يسعى . فحشر فنادى . فقال:أنا ربكم الأعلى). .
ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة , مجملا مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها . فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة  فحشر السحرة والجماهير

ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة , المليئة بالغرور والجهالة: (أنا ربكم الأعلى). .

قالها الطاغية مخدوعا بغفلة جماهيره , وإذعانها وانقيادها .
 فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها .
 وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانا .
 إنما هي الجماهير الغافلة الذلول , تمطي له ظهرها فيركب !
وتمد له أعناقها فيجر
!
وتحني له رؤوسها فيستعلي !
وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى
!

والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى .
وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم .
 فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين ,
 لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها .
وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئا !
وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدا .
وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدا .
 وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرا ولا رشدا
!

فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان , ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: (أنا ربكم الأعلى). .
 وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة , تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء .
 وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب شيئا
!

وأمام هذا التطاول الوقح , بعد الطغيان البشع , تحركت القوة الكبرى:
(فأخذه الله نكال الآخرة والأولى). .
ويقدم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى . . لأنه أشد وأبقى .
 فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعصاة بشدته وبخلوده .
. ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي .
. ولأنه يتسق لفظيا مع الإيقاع الموسيقي في القافية بعد اتساقه معنويا مع الموضوع الرئيسي , ومع الحقيقة الأصيلة
.
ونكال الأولى كان عنيفا قاسيا . فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى ?
 وفرعون كان ذا قوة وسلطان

ومجد موروث عريق ; فكيف بغيره من المكذبين ?
وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين
?
(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى(. .
فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه .
 أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز ,
وبينه وبين العظة حجاب .
حتى يصطدم بالعاقبة اصطداما .
 وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى .
 وكل ميسر لنهج , وكل ميسر لعاقبة

.
والعبرة لمن يخشى . .

وفرعون ذي الأوتاد
 
وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان
وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار

هؤلاء هم الذين [طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد]

وليس وراء الطغيان إلا الفساد
 فالطغيان يفسد الطاغية
ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء
كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة
ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف المعمر الباني إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال
 إنه يجعل الطاغية أسير هواه لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت
ولا يقف عند حد ظاهر فيفسد هو أول من يفسد ;
 ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف ;
وكذلك قال فرعون (أنا ربكم الأعلى) عندما أفسده طغيانه
فتجاوز به مكان العبد المخلوق وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح وهو فساد أي فساد

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء مع السخط الدفين والحقد الكظيم
فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية
وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية
والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة
وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع
وهو فساد أي فساد

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة لأنها خطر على الطغاة والطغيان
 فلابد من تزييف للقيم
وتزوير في الموازين
وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة وتراها مقبولة مستساغة
وهو فساد أي فساد
 
فلما أكثروا في الأرض الفساد كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد

[فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد]
 
فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم
فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب
وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط
وبفيضه وغمره حين يذكر الصب
حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد
ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان
ومن قوله تعالى إن ربك لبالمرصاد تفيض طمأنينة خاصة
فربك هناك راصد لا يفوته شيء
مراقب لا يند عنه شيء
فليطمئن بال المؤمن ولينم ملء جفونه
فإن ربه هناك بالمرصاد للطغيان والشر والفساد
وهكذا نرى هنا نماذج من قدر الله في أمر الدعوة غير النموذج التي تعرضه سورة البروج لأصحاب الأخدود
وقد كان القرآن ولا يزال يربي المؤمنين بهذا النموذج وذاك وفق الحالات والملابسات
ويعد نفوس المؤمنين لهذا وذاك على السواء
لتطمئن على الحالين
وتتوقع الأمرين
وتكل كل شيء لقدر الله يجريه كما يشاء.

كانت هذه الصيحات و الطرقات كما أسماها صاحب الظلال التى تصيح و تطرق على حواس الطغاة و جماهيرهم لعلهم يتنبهو و يفيقو قبل أن يُفسدو و يَفسدو ......

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق