الجمعة، 19 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء السادس – سورة المائدة



الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ] 

======================================================


نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم
لينشى ء به أمة...
وليقيم به دولة....
ولينظم به مجتمعا
; وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا
وليحدد به روابط ذلك المجتمع ; فيما بينه
وروابط تلك الدولة مع سائر الدول
وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم
وليربط ذلك كله برباط قوي واحد يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى مصدر واحد وإلى سلطان واحد وإلى جهة واحدة وذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله ; وكما عرفه المسلمون أيام أن كانوا مسلمين.

 ومن ثم نجد في هذه السورة كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها موضوعات شتى ; الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه إنشاء أمة وإقامة دولة وتنظيم مجتمع ; على أساس من عقيدة خاصة وتصور معين وبناء جديد الأصل فيه إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ; وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.
وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة وتقديم سورة آل عمران وتقديم سورة النساء نقول هنا عن:
 المعركة التي كان القرآن يخوضها بالجماعة المسلمة مع أعداء هذه الجماعة وأعداء دينها وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون .
وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين.
 ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات
.
 كل ذلك في وقت واحد ; وفي منهج واحد ; وفي نفس واحد.

 وأهم قواعد البناء تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش وبيان معنى الدين وأنه هو منهج الحياة. وأن الحكم بما أنزل الله وحده والتلقي في شئون الحياة كلها من الله وحده هو الإيمان وهو الإسلام ; وبغير هذا لا يكون هناك توحيد لله فتوحيد الله هو إفراده سبحانه بالألوهية ; وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك.
وهكذا تتبين القضية إله واحد وخالق واحد ومالك واحد.
 وإذن فحاكم واحد ومشرع واحد ومتصرف واحد.
 وإذن فشريعة واحدة ومنهج واحد وقانون واحد.
 وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله فهو إيمان وإسلام.
 أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل الله فهو كفر وظلم وفسوق وهذا هو الدين.
 كما أخذ الله ميثاق العباد جميعا عليه وكما جاء به كل الرسل من عنده أمة محمد والأمم قبلها على السواء.

 والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة .
والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ; أو المبادى ء والتوجيهات التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ; ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ; في أسلوب التقرير الدقيق وهو الطابع العام المميز لشخصية السورة من بدئها إلى منتهاها.

وقبل أن ننهي هذا التقديم للسورة لا يسعنا إلا أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا] يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية
إن هذه الآية تقرر بما لا مجال للجدال فيه أنه دين خالد وشريعة خالدة وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينا هي الصورة الأخيرة.
 إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان ; وليس لكل زمان شريعة ولا لكل عصر دين إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر قد اكتملت وتمت ورضيها الله للناس دينا فمن شاء أن يبدل أو يحور أو يغير أو يطور إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان فليبتغ غير الإسلام دينا [ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه].
 
‘‘ إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي والشعائر التعبدية والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله ; يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله ; وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور ; دون خروج على أصل فيه ولا فرع لأنه لهذا جاء ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين.
 إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع ; ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوى كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور ; بلا خروج على أصل أو فرع ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبا حسابه في ذلك المنهج ; لأن الله سبحانه لم يكن يخفي عليه وهو يضع هذا المنهج في صورته الأخيرة ويعلن إكماله وارتضاءه للناس دينا أن هناك تطورات ستقع وأن هناك حاجات ستبرز وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعا وما قدر الله حق قدره من يظن غير هذا في أمر من هذه الأمور’’
========================================
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
[يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود]

افتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها والحكم فيها بما أنزل الله كله ; والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله ; والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ، يعطي كلمة العقود معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله وفي أولها عقد الإيمان بالله ; ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ومقتضى العبودية لألوهيته.
 هذا العقد الذي تنبثق منه وتقوم عليه سائر العقود ; وسائر الضوابط في الحياة.
 وعقد الإيمان بالله ; والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ; ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق.
 هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم عليه السلام وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض بشرط وعقد هذا نصه القرآني
 [قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون]
فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله ; وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله باطلا بطلانا أصليا غير قابل للتصحيح المستأنف وتحتم على كل مؤمن بالله يريد الوفاء بعقد الله أن يرد هذا الباطل ولا يعترف به ; ولا يقبل التعامل على أساسه وإلا فما أوفى بعقد الله.
 ولقد تكرر هذا العقد أو هذا العهد مع ذرية آدم وهم بعد في ظهور آبائهم كما ورد في السورة الأخرى
 [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون]
 فهذا عقد آخر مع كل فرد ; عقد يقرر الله سبحانه أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم وليس لنا أن نسأل كيف لأن الله أعلم بخلقة ; وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم بما يلزمهم الحجة وهو يقول إنه أخذ عليهم هذا العهد على ربوبيته لهم فلا بد أن ذلك كان كما قال الله سبحانه فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء.
وعلى عقد الإيمان بالله والعبودية لله تقوم سائر العقود سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله.
[يا أيها الذين آمنوا]
 فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا بصفتهم هذه أن يوفوا بها إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء مستحثة لهم كذلك على الوفاء ومن ثم كان هذا النداء يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
 ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود .

[أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ]

إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح وفي الأنواع وفي الأماكن وفي الأوقات إن هذا كله من العقود وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده ; ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره ومن ثم نودوا هذا النداء في مطلع هذا البيان وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام
[أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم]
 وبمقتضى هذا الإحلال من الله ; وبمقتضى إذنه هذا وشرعه لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول بهيمة الأنعام من الذبائح والصيد إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها وهو الذي سيرد ذكره محرما إما حرمة وقتية أو مكانية ; وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ; ويضاف إليها الوحشي منها كالبقر الوحشي والحمر الوحشية والظباء.
[غير محلي الصيد وأنتم حرم]
 ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها فالإحرام للحج أو للعمرة تجرد عن أسباب الحياة العادية واساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام الذي جعله الله مثابة الأمان ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية ; تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة ; وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء ; وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله ; لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء.
[إن الله يحكم ما يريد]
يربط هذا العقد بالعقد الأكبر ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق طليقة مشيئته حاكمة إرادته متفردا سبحانه بالحكم وفق ما يريد ليس هنالك من يريد معه ; وليس هنالك من يحكم بعده ; ولا راد لما يحكم به وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء.
========================================
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ]
------------------------------------------
[الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً]
 وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم ليعلن كمال الرسالة وتمام النعمة.
 هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح ; وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها ما دلالة هذا؟
 إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ كل متكامل سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; ومايختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية وأن هذا في مجموعة هو الدين الذي يقول الله عنه في هذه الآية إنه أكمله وهو النعمة التي يقول الله للذين آمنوا إنه أتمها عليهم.
 وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية فكلها في مجموعها تكون المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا .
 والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه كالخروج عليه كله خروج على هذا الدين وخروج من هذا الدين بالتبعية.
 والأمر في هذا يرجع إلى أن رفض شيء من هذا المنهج الذي رضيه الله للمؤمنين واستبدال غيره به من صنع البشر ; معناه الصريح هو رفض ألوهية الله سبحانه وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر ; واعتداء على سلطان الله في الأرض وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى الحاكمية وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين ; والخروج من هذا الدين بالتبعية.
[ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم]
 يئسوا أن يبطلوه أو ينقصوه أو يحرفوه وقد كتب الله له الكمال ; وسجل له البقاء ولقد يغلبون على المسلمين في موقعة أو في فترة ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين فهو وحده الدين الذي بقي محفوظا لا يناله الدثور ولا يناله التحريف أيضا على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه ; وعلى شدة ما كادوا له وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة ; تعرف هذا الدين ; وتناضل عنه ويبقى فيها كاملا مفهوما محفوظا ; حتى تسلمه الى من يليها وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين
[فلا تخشوهم واخشون]
فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدا وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه ; فلا يكونوا هم الترجمة الحية له ; ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته ; ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة لا يقتصر على ذلك الجيل ; إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان نقول للذين آمنوا الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين بمعناه الكامل الشامل ; الذين يتخذون هذا الدين كله منهجا للحياة كلها وهؤلاء وحدهم هم المؤمنون.

-----------------------------------------------
[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]

اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية في حجة الوداع أكمل الله هذا الدين .

ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة
; فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة وتوجيهات عميقة ومقتضيات وتكاليف
 إن المؤمن يقف أولا أمام إكمال هذا الدين
; يستعرض موكب الإيمان وموكب الرسالات وموكب الرسل منذ فجر البشرية
ومنذ أول رسول آدم عليه السلام إلى هذه الرسالة الأخيرة رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين فماذا يرى؟
 يرى
هذا الموكب المتطاول المتواصل موكب الهدى والنور.
 ويرى معالم الطريق على طول الطريق.
 ولكنه يجد كل رسول قبل خاتم النبيين إنما أرسل لقومه
 ويرى كل رسالة قبل الرسالة الأخيرة إنما جاءت لمرحلة من الزمان
 رسالة خاصة لمجموعة خاصة في بيئة خاصة
كلها تدعو إلى إله واحد فهذا هو التوحيد
وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد فهذا هو الدين
وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد فهذا هو الإسلام
ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف.

’’ حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر ; أرسل إلى الناس كافة رسولا خاتم النبيين برسالة للإنسان لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة في زمان خاص في ظروف خاصة‘‘

 رسالة تخاطب الإنسان من وراء الظروف والبيئات والأزمنة ; لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم]
وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها وفي كل جوانب نشاطها
; وتضع لها المبادى الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان
; وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان
 وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة الإنسان
منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان ; من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات لكي تستمر وتنمو وتتطور وتتجدد ; حول هذا المحور وداخل هذا الإطار

وقال الله سبحانه للذين آمنوا [اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]
 فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا فهذا هو الدين
ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين بمعناه هذا نقصا يستدعي الإكمال
ولا قصورا يستدعي الإضافة
ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير وإلا فما هو بمؤمن
;
وما هو بمقر بصدق الله ;
 وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين
 إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان لأنها بشهادة الله شريعة الدين الذي جاء للإنسان في كل زمان وفي كل مكان ;
 لا لجماعة من بني الإنسان في جيل من الأجيال في مكان من الأمكنة كما كانت تجيء الرسل والرسالات
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي والمبادى ء الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان ; دون أن تخرج عليه إلا أن تخرج من إطار الإيمان
والله الذي خلق الإنسان ويعلم من خلق ; هو الذي رضي له هذا الدين ; المحتوى على هذه الشريعة فلا يقول إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان ; وبأطوار الإنسان.

-------------------------------------------------------------------------

[حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ]
وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة ; وهذا وحده يكفي فالله لا يحرم إلا الخبائث وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه وهل علم الناس كل ما يؤذي وكل ما يفيد؟
[وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ]
 وأما ما أهل لغير الله به فهو محرم لمناقضته ابتداء للإيمان.
 فالإيمان يوحد الله ويفرده سبحانه بالألوهية ويرتب على هذا التوحيد مقتضياته وأول هذه المقتضيات أن يكون التوجه إلى الله وحده بكل نية وكل عمل ; وأن يهل باسمه وحده في كل عمل وكل حركة ; وأن تصدر باسمه وحده كل حركة وكل عمل..

[
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ]
 وأما المنخنقة وهي التي تموت خنقا.
 والموقوذة وهي التي تضرب بعصا أو خشبة أو حجر فتموت.
 والمتردية وهي التي تتردى من سطح أو جبل أو تتردى في بئر فتموت.
 والنطيحة وهي التي تنطحها بهيمة فتموت.
 وما أكل السبع وهي الفريسة لأي من الوحش فهي كلها أنواع من الميتة إذا لم تدرك بالذبح وفيها الروح.

[إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ]
 إلا ما ذكيتم فحكمها هو حكم الميتة إنما فصل هنا لنفي الشبهة في أن يكون لها حكم مستقل على أن هناك اختلافا في حكم التذكية ومتى تعتبر البهيمة مذكاة ; فبعض الأقوال يخرج من المذكاة البهيمة التي يكون ما حل بها من شأنه أن يقتلها سريعا أو يقتلها حتما فهذه حتى لو أدركت بالذبح لا تكون مذكاة بينما بعض الأقوال يعتبرها مذكاة متى أدركت وفيها الروح أيا كان نوع الإصابة والتفصيل يطلب في كتب الفقة المختصة.
[و ما ذبح على النصب]
 وهي أصنام كانت في الكعبة وكان المشركون يذبحون عندها وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية ومثلها غيرها في أي مكان فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام حتى لو ذكر اسم الله عليه لما فيه من معنى الشرك بالله.
[وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ]
 ويبقى الاستقسام بالأزلام والأزلام قداح كانوا يستشيرونها في الإقدام على العمل أو تركه وكانت كذلك تستخدم في الميسر المعروف عند العرب ; فتقسم بواسطتها الجزور أي الناقة التي يتقامرون عليها إذ يكون لكل من المتقامرين قدح فحرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه نوع من الميسر المحرم وحرم اللحوم التي تقسم عن هذا الطريق.
[فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم]
فالمضطر من الجوع وهو المخمصة الذي يخشى على حياته التلف له أن يأكل من هذه المحرمات ; ما دام أنه لا يتعمد الإثم ولا يقصد مقارفة الحرام وتختلف آراء الفقهاء في حد هذا الأكل ، وحسبنا هنا أن ندرك ما في هذا الدين من يسر وهو يعطى للضرورات أحكامها بلا عنت ولا حرج مع تعليق الأمر كله بالنية المستكنة ; والتقوى الموكولة إلى الله فمن أقدم مضطرا لا نية له في مقارفة الحرام ولا قصد فلا إثم عليه إذن ولا عقاب فإن الله غفور رحيم.

الأحد، 14 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الخامس – سورة النساء (1)

الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]

وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]

[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]
هذه السورة مدنية وهي أطول سور القرآن بعد سورة البقرة ومنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة والمنتظر على كل حال أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية إلى ما بعد السنة الثامنة حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة

حين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات هذه السورة كانت تتنزل فيها .
ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد بالجماعة المسلمة وقد التقطها من ذلك السفح الهابط الذي تمثله تلك الرواسب فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح فيرتقي بها إلى تلك القمة رويدا رويدا في يسر ورفق وفي ثبات وصبر وفي خطو متناسق موزون.

 وفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم بعد تطهيره من رواسب الجاهلية وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .

نجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة واتصالها بوشيجة الرحم مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة ذات الخالق الواحد وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة ; وتنظيم الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والمجتمع الإنساني كله على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية.
وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات في الحالات المتعددة وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها أو في خواتيمها توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات وبين الأصل الذي تنبثق منه وهو الربوبية التي لها حق التشريع والتنظيم هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم الدرس الأول تذكير الإنسانية بأصلها الواحد ، وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي تقوم عليها الحياة الجماعية.

---------------------------------------------------------------
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]
بآية الافتتاح التي ترد الناس إلى رب واحد وخالق واحد ; كما تردهم إلى أصل واحد وأسرة واحدة.
 وتجعل وحدة الإنسانية هي النفس  ووحدة المجتمع هي الأسرة.
 وتستجيش في النفس تقوى الرب ورعاية الرحم لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة ثم في الإنسانية الواحدة وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة .
[يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم]

إنه الخطاب للناس بصفتهم هذه لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم والذي خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
 إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا وعميقة جدا وثقيلة جدا ولو القى الناس أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية أو من الجاهليات المختلفة إلى الإيمان والرشد والهدى وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة بالناس و بالنفس واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى.
 إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه فمن الذي جاء بهم أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم فقد كانوا قبل أن يجيئوا عدما لا إرادة له.
 لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء فإرادة أخرى إذن غير إرادتهم هي التي جاءت بهم إلى هنا.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي قررت أن تخلقهم.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي رسمت لهم الطريق وهي التي اختارت لهم خط الحياة.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون وعلى غير استعداد إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد.
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق.
 إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم وخطت لهم طريق الحياة فيه ومنحتهم القدرة على التعامل معه لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير.
 وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم.
 وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون فيرجعون إلى النهج الواحد الذي إراده الله رب العالمين.
 كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة تتصل في رحم واحدة وتلتقي في وشيجة واحدة وتنبثق من أصل واحد وتنتسب إلى نسب واحد.
 [من نفس واحدة]
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة التي نشأت في حياتهم متأخرة ففرقت بين أبناء النفس الواحدة ومزقت وشائح الرحم الواحدة وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية وصلة النفس وحقها في المودة وصلة الربوبية وحقها في التقوى.

 واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ; في الجاهلية الحديثة التي تفرق بين الألوان وتفرق بين العناصر وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة.

 [و خلق منها زوجها]
 والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة خلق منها زوجها كانت كفيلة لو أدركتها البشرية أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة التي تردت فيها وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة وتراها منبع الرجس وأصل الشر والبلاء وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا خلقها الله لتكون لها زوجا وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فلا فارق في الأصل والفطرة إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة.
 ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها فترة من الزمان تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ونفس خلقت لنفس وشطر مكمل لشطر وأنهما ليسا فردين متماثلين إنما هما زوجان متكاملان والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد.
[وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، و اتقوا الله الذى تسائلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا]
كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة فخلق ابتداء نفسا واحدة وخلق منها زوجها فكانت أسرة من زوجين [وبث منهما رجالا كثيرا ونساء] ولو شاء الله لخلق في أول النشأة رجالا كثيرا ونساء وزوجهم فكانوا أسرا شتى من أول الطريق لا رحم بينها من مبدأ الأمر ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد وهي الوشيجة الأولى ولكنه سبحانه شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها أن يضاعف الوشائج.
وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]
وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع وشهوة تطاع وانحراف وفسوق وضلال.
ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات؟
فماذا يريد الله بالناس حين يبين لهم منهجه ويشرع لهم سنته؟

إنه يريد أن يتوب عليهم يريد أن يهديهم يريد أن يجنبهم المزالق يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة.
 وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله ولم يشرعها لعباده؟
 إنهم يريدون لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون في هذا الميدان الخاص.
ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي.
 يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح من أي لون كان ، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب ولا يسكن معه عصب ولا يطمئن معه بيت ولا يسلم معه عرض ولا تقوم معه أسرة.

 وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه وهو يحذرهم مما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي الذي لا عاصم منه إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله
.
------------------------------------------------------------
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]
هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها.
 أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل على منهج الله وتعليمه.
 
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
 أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به والاهتداء إليه ومعرفته وعبادته وطاعته وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته وإلى عقله وإلى معرفته وإلى إرادته وإلى اتجاهه وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات ومن هذه الأمانة الكبرى تنبثق سائر الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى.

 ومن هذه الأمانات أمانة الشهادة لهذا الدين الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له ترجمة حية في شعورها وسلوكها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومزيته بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان وهي إحدى الأمانات.

 ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم ف « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » على هذا الأساس أداء لإحدى الأمانات.
كما أن الأمانة بكل مدلولاتها هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.

 ومن هذه الأمانات الداخلة في ثنايا ما سبق أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم.
 أمانة المعاملات والودائع المادية.
 وأمانة النصيحة للراعي وللرعية.
 وأمانة القيام على الأطفال الناشئة.
 وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي.

[وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ]
 ويجملها النص هذا الإجمال فأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين الناس جميعا لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا فهذه الصفة صفة الناس هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا مؤمنين وكفارا أصدقاء وأعداء سودا وبيضا عربا وعجما.
 والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل متى حكمت في أمرهم.

هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة إلا على يد الإسلام وإلا في حكم المسلمين وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا لأنهم ناس لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه الناس وذلك هو أساس الحكم في الإسلام .
[إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ]
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله سبحانه وتوجيهه ونقف أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه.
 فالأصل في تركيب الجملة إنه نعم ما يعظكم الله به ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة فيجعله اسم إن ويجعل نعم ما نعمًا ومتعلقاتها في مكان خبر إن بعد حذف الخبر ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به ثم إنها لم تكن عظة إنما كانت أمرًا ولكن التعبير يسميه عظة لأن العظة أبلغ إلى القلب وإسرع إلى الوجدان وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء
[إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرا]
 فالله يسمع ويبصر قضايا العدل وقضايا الأمانة.
 والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير وإلى مراعاة الملابسات والظواهر وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر.
 وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.



إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]

ثم كانت الآيات ذوات العدد تتنزل لإنصاف يهودي فرد من اتهام ظالم وجهته إليه عصبة من المسلمين من الأنصار ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادىء السامقة بعد ولم تخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية كل الخلوص.
 فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي والتواطؤ على اتهامه والشهادة ضده في حادث سرقة درع أمام النبي ص حتى كاد أن يقضي عليه بحد السرقة ويبرىء الفاعل الأصلي تنزلت هذه الآيات ذوات العدد فيها عتاب شديد للنبي ص وفيها إنحاء باللائمة على العصبة من أهل المدينة - الذين آووا النبي ص وعزروه ونصروه -  إنصافا ليهودي - من تلك الفئة التي تؤذي رسول الله ص أشد الإيذاء وتنصب لدعوته وتكيد له وللمسلمين هذا الكيد اللئم -  وفيها تهديد وإنذار لمن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا وفيها من ثم تلك النقلة العجيبة إلى تلك القمة السامقة وتلك الإشارة الوضيئة إلى ذلك المرتقى الصاعد لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي.



[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ،
وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً]

إننا نحس في التعبير صرامة يفوح منها الغضب للحق والغيرة على العدل ; وتشيع في جو الآيات وتفيض منها وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله ص بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين يدافع عنهم ويجادل وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه عن هذه المجادلة .

[وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ]

ثم تكرار هذا النهي ; ووصف هؤلاء الخائنين الذين جادل عنهم صلى الله عليه و سلم بأنهم يختانون أنفسهم وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا وهم خانوا غيرهم في الظاهر ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم فقد خانوا الجماعة ومنهجها ومبادئها التي تميزها وتفردها.
 وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها وهم منها.
 ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء حيث يكرههم الله ويعاقبهم بما أثموا وهي خيانة للنفس من غير شك.
 وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة.

 [إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا]
 وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ولا أن يحامي عنهم أحد وقد كرههم الله للإثم والخيانة.

[يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً]
 
وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية زرية بما فيها من ضعف والتواء وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ; ويستخفون بها عن الناس والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون ; مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون وهم يزورون من القول مالا يرضاه فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف وكان الله بما يعملون محيطًا إجمالا وإطلاقا فأين يذهبون بما يبيتون والله معهم إذ يبيتون والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب ; على كل من جادل عن الخائنين
ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]

إنها آيات ثلاث تقرر المبادىء الكلية التي يعامل بها الله عباده ; والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيمًا]

الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه وباب المغفرة على سعته ; وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب.
 والذي يعمل السوء يظلم غيره ويظلم نفسه وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين ; ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بواب حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفورا رحيما.

[ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما]

 والآية الثانية تقرر فردية التبعة وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة.
 الخوف من عمله وكسبه.
 والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره .

ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة.
 كما أنه ليست هناك كفارة غير الكفارة التي تؤديها النفس عن نفسها وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب توازن عجيب في هذا التصور الفريد هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته التي تطمئن الفطرة وتحقق العدل الإلهي المطلق ; المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان.

[ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]
 
والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البرى ء وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينًا.
 البهتان في رميه البرى ء.
 والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمى به البرى ء.
 وقد احتملهما معه وكأنما
هما حمل يحمل على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور.

 وبهذة القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي:
 يحاسب كل فرد على ما اجترح ولا يدع المجرم يمضي ناجيا إذا ألقى جرمه على سواه.
 وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه.
 ويضرب موعدا مع الله سبحانه في كل لحظة للتائبين المستغفرين الذين يطرقون الأبواب في كل حين بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران.
 ‘‘ فماذا ماذا يملك الإنسان أن يقول إلا أنه المنهج الفريد الذي يملك وحده أن يلتقط الجماعة البشرية من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة في مثل هذا الزمن القصير.’’

السبت، 13 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الرابع - سورة آل عمران


مقتطفات من الجزء الرابع - سورة آل عمران

الآيات المختارة :

[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]
14 ، 15 – آل عمران

[الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] 16 ، 17 آل عمران

[كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ] 110 – آل عمران

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ، هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] 137 - 139 آل عمران

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] 200 – آل عمران

-------------------------------------------------------------------------------------------
سيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص.
 ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها.

وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية وفعل القرآن إلى جانب الأحداث في هذه الحياة وتفاعله معها في شتى الجوانب.
وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة .
 كذلك يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم وتتألم وتحتمل وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة وفي صبر ومجاهدة تتجلى فيها كل خصائص الإنسان وكل ضعف الإنسان وكل طاقات الإنسان ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق.

 إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا وسنحس أنه معنا اليوم وغدا وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية.
 إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا هذا نجم قديم رجعي يحسن أن يستبدل به نجم جديد تقدمي أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان.

-------------------------------------------------------------------------

[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]
14 ، 15 – آل عمران

وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ; إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ; وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ; وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى.

إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ; ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ; ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ; ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ; ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ; واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها ; وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ; وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى.

 ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة.

وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ولا تطغى على ما سواه ذلك متاع الحياة الدنيا ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة متاع هذه الأرض القريب فأما من أراد الذي هو خير خير من ذلك كله خير لأنه أرفع في ذاته وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات

 وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة وفوقها رضوان من الله وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان

 [قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد] وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ويؤمر الرسول ص أن يبشر به المتقين هو نعيم حسي في عمومه ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات وأن تنساق فيها كالبهيمة فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ويرتفعون بالتطلع إليه وهم في هذه الأرض قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا وفيه زيادة.

 فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها لا كالحرث المحدود الميقات.
 وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ففي الآخرة أزواج مطهرة وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة.
 فأما الخيل المسومة والأنعام وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات.
 ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع هنالك رضوان من الله رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان.
 والله بصير بالعباد بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة ثم وصف لهؤلاء العباد يصور حال المتقين مع ربهم الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان.
----------------------------------------------------------

 [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] 16 ، 17 آل عمران

وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم فهو إعلان للإيمان وشفاعة به عند الله وطلب للغفران وتوق من النيران وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة.
 
[الصابرين]
 في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى وثبات على تكاليف الدعوة وأداء لتكاليف الحق وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر وقبول لحكمه ورضاء.
[و الصادقين]
 وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود وترفع عن الضعف ; فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة.
[و القانتين]
 وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ; وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه.
[و المنفقين]
 وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ; وانفلات من ربقة الشح ; وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ; وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس.
[و المستغفرين بالأسحار]
 والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة.
 ولفظة الأسحار بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ; وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان.

 هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون المنفقون المستغفرون بالأسحار لهم رضوان من الله وهم أهل لهذا الرضوان ظله الندي ومعناه الحاني وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة وفي رفق ورحمة وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها وفي مراعاة لضعفها وعجزها وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ودون ما كبت ولا إكراه ودون ما وقف لجريان الحياة فطرة الله ومنهج الله لهذه الفطرة.
---------------------------------------------------------------

[كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ] 110 – آل عمران

[كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله]

إن التعبير بكلمة أخرجت المبني لغير الفاعل تعبير يلفت النظر وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله.
 إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى لطيفة الدبيب حركة تخرج على مسرح الوجود أمة أمة ذات دور خاص لها مقام خاص ولها حساب خاص [كنتم خير أمة أخرجت للناس] وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها وأن يكون لديها دائما ما تعطيه ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح والتصور الصحيح والنظام الصحيح والخلق الصحيح والمعرفة الصحيحة والعلم الصحيح هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها وتحتمه عليها غاية وجودها واجبها أن تكون في الطليعة دائما وفي مركز القيادة دائما ولهذا المركز تبعاته فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له وهي بتصورها الاعتقادي وبنظامها الاجتماعي أهل له فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي وبعمارتها للأرض قياما بحق الخلافة أهلا له كذلك ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ; ويدفعها إلى السبق في كل مجال لو أنها تتبعه وتلتزم به وتدرك مقتضياته وتكاليفه.

[تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر]
 وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أخرجت للناس لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون [نحن أبناء الله وأحباؤه] كلا إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر وإقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر .
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب وبكل ما في طريقها من أشواك إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد وكل هذا متعب شاق ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة.

[وتؤمنون بالله]
ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون.
 ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد ومن سلطان الله في الضمائر وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.
 ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ويحتملوا تكاليفه وهم:
 يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته.
 ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها.
 ويواجهون هبوط الأرواح وكلل العزائم وثقلة المطامع.
 وزادهم هو الإيمان وعدتهم هي الإيمان وسندهم هو الله وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل وكل سند غير سند الله ينهار وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها ؛  ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية التي تعرف بها في المجتمع الإنساني فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله فهي موجودة وهي مسلمة وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة وغير متحققة فيها صفة الإسلام .
 وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول
صلى الله عليه و سلم وتوجيهاته:
قال
صلى الله عليه و سلم « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم » ثم جلس وكان متكئا فقال « لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » أي تعطفوهم وتردوهم.
 و قال
صلى الله عليه و سلم « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ».
و
قال
صلى الله عليه و سلم « سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله » وغيرها كثير وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته

[ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون]
 
وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان فهو خير لهم خير لهم في هذه الدنيا يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية.
 إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم فتقوم أنظمتهم الاجتماعية من ثم على غير أساس عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل وعلى تفسير كامل للوجود ولغاية الوجود الإنساني ومقام الإنسان في هذا الكون وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير ثم هو بيان كذلك لحالهم لا يبخس الصالحين منهم حقهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم منهم عبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وكعب بن مالك وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال وفي آية تالية بالتفصيل.
 أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده وأن ينصره وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله أرادها للناس أجمعين.

-------------------------------------------------------------------

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ، هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] 137 - 139 آل عمران

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ]
والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور فهم ليسوا بدعا في الحياة
 فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافا إنما هي تتبع هذه النواميس فإذا هم درسوها وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول.
 والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أبصارهم إليها هي عاقبة المكذبين على مدار التاريخ ومداولة الأيام بين الناس والابتلاء لتمحيص السرائر وامتحان قوة الصبر على الشدائد واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.
 وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال والمواساة في الشدة والتأسية على القرح الذي لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم كذلك وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا وأهدى منهم طريقا ومنهجا والعاقبة بعد لهم والدائرة على الكافرين قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها وحاضرها بماضيها فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها.
 وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم ولم تكن معارفهم ولم تكن تجاربهم قبل الإسلام لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة لولا هذا الإسلام وكتابه القرآن الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى وخلق به منهم أمة تقود الدنيا.
 إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم ; فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان إنما حملتها إليهم هذه العقيدة بل حملتهم إليها وارتقت بهم إلى مستواها في ربع قرن من الزمان.
 على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ; ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية إلا بعد أجيال وأجيال.
 فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية وأنه إلى الله تصير الأمور.
 فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله واتسع له تصورها ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان بعد هذا إلى مشيئته الطليقة.
 [قد خلت من قبلكم سنن]
 وهي هي التي تحكم الحياة وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله بمشيئة الله في زمانكم وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم.
 [فسيروا في الأرض]
 فالأرض كلها وحدة والأرض كلها مسرح للحياة البشرية والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر. [فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين]
 وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدا ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة وكي تحذر الإنزلاق مع المكذبين من جهة أخرى وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان.
 
[هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين]

هذا بيان للناس كافة فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي ولكن طائفةخاصة هي التي تجد فيه الهدى وتجد فيه الموعظة وتنتفع به وتصل على هداه طائفة المتقين إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل وبالهدى والضلال إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل إنما تنقص الناس الرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان ولا يحفظهما إلا التقوى.
 ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ومن هدى ومن نور ومن موعظة ومن عبرة إنما هي للمؤمنين وللمتقين فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة واحتمال مشقات الطريق وهذا هو الأمر وهذا هو لب المسألة لا مجرد العلم والمعرفة فكم ممن يعلمون ويعرفون وهم في حمأة الباطل يتمرغون إما خضوعا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة وإما خوفا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة وبعد هذا البيان العريض يتجه إلى المسلمين بالتقوية والتأسية والتثبيت.

[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
لا تهنوا من الوهن والضعف ولا تحزنوا لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون.
 عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه.
 ومنهجكم أعلى فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله.
 ودوركم أعلى فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها الهداة لهذه البشرية كلها وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق.
 ومكانكم في الأرض أعلى فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها وهم إلى الفناء والنسيان صائرون.
 فإن كنتم مؤمنين حقا فأنتم الأعلون وإن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص.

----------------------------------------------------------------------------
خاتمة سورة آل عمران:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] 200 – آل عمران

[يا أيها الذين آمنوا]
إنه النداء العلوي للذين آمنوا نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء والتي تلقي عليهم هذه الأعباء والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء
 النداء لهم للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى وسياق السورة حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى يذكران مفردين ويذكران مجتمعين وسياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد وعدم الاستماع لدعاة الهزيمة والبلبلة ومن ثم تختم السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة وإلى المرابطة والتقوى فيكون هذا أنسب ختام.

[اصبروا]

 والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة إنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء وبالإيذاء والابتلاء الصبر على أشياء كثيرة الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها وملالها من قريب.
 والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم وأثرتهم وغرورهم والتوائهم واستعجالهم للثمار.
 والصبر على تنفج الباطل ووقاحة الطغيان وانتفاش الشر وغلبة الشهوة وتصعير الغرور والخيلاء.
 والصبر على قلة الناصر وضعف المعين وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق.
 والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ والحنق والضيق وضعف الثقة أحيانا في الخير وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية ; والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة واستقبال الرخاء في تواضع وشكر وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله واستسلام لقدره ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع
والصبر على هذا كله وعلى مثله مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوره حقيقة الكلمات فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق ; وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه.

[و صابروا]
 والمصابرة وهي مفاعلة من الصبر مصابرة هذه المشاعر كلها.
 ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين مصابرتها ومصابرتهم فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى أعدائهم من كوامن الصدور وأعدائهم من شرار الناس سواء فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر والدفع بالدفع والجهد بالجهد والإصرار بالإصرار ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارا وأعظم صبرا على المضي في الطريق.

[و رابطوا]

والمرابطة الإقامة في مواقع الجهاد وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدا ولا تستسلم للرقاد فما هادنها أعداؤها قط منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة والتعرض بها للناس وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد حيثما كانت إلى آخر الزمان.

 إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي منهج يتحكم في ضمائرهم كما يتحكم في أموالهم كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم منهج خير عادل مستقيم
 ولكن الشر لا يستريح للمنهج الخير العادل المستقيم ; والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة ; والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة ومن ثم ينهد لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار وينهد لحربها المستهترون المنحلون لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات ولا بد من مجاهدتهم جميعا ولا بد من الصبر والمصابرة.

 ولا بد من المرابطة والحراسة كي لا تؤخذ الأمة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين الدائمين في كل أرض وفي كل جيل هذه طبيعة هذه الدعوة وهذا طريقها إنها لا تريد أن تعتدي ; ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم وهي واجدة أبدا من يكره ذلك المنهج وهذا النظام ومن يقف في طريقها بالقوة والكيد ومن يتربص بها الدوائر ومن يحاربها باليد والقلب واللسان ولا بد لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها ولا بد لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظة ولا تنام.

[وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]

 والتقوى التقوى تصاحب هذا كله فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل ; ويحرسه أن يضعف ; ويحرسه أن يعتدي ; ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ إلا من يعاني مشاق هذا الطريق ; ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وشتى اللحظات.

 إنه الإيقاع الأخير في السورة التي حوت ذلك الحشد من الإيقاعات وهو جماعها كلها وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل وينوط بها الفلاح في هذا المضمار لعلكم تفلحون وصدق الله العظيم.