الجمعة، 19 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء السادس – سورة المائدة



الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ] 

======================================================


نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم
لينشى ء به أمة...
وليقيم به دولة....
ولينظم به مجتمعا
; وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا
وليحدد به روابط ذلك المجتمع ; فيما بينه
وروابط تلك الدولة مع سائر الدول
وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم
وليربط ذلك كله برباط قوي واحد يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى مصدر واحد وإلى سلطان واحد وإلى جهة واحدة وذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله ; وكما عرفه المسلمون أيام أن كانوا مسلمين.

 ومن ثم نجد في هذه السورة كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها موضوعات شتى ; الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه إنشاء أمة وإقامة دولة وتنظيم مجتمع ; على أساس من عقيدة خاصة وتصور معين وبناء جديد الأصل فيه إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ; وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.
وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة وتقديم سورة آل عمران وتقديم سورة النساء نقول هنا عن:
 المعركة التي كان القرآن يخوضها بالجماعة المسلمة مع أعداء هذه الجماعة وأعداء دينها وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون .
وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين.
 ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات
.
 كل ذلك في وقت واحد ; وفي منهج واحد ; وفي نفس واحد.

 وأهم قواعد البناء تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش وبيان معنى الدين وأنه هو منهج الحياة. وأن الحكم بما أنزل الله وحده والتلقي في شئون الحياة كلها من الله وحده هو الإيمان وهو الإسلام ; وبغير هذا لا يكون هناك توحيد لله فتوحيد الله هو إفراده سبحانه بالألوهية ; وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك.
وهكذا تتبين القضية إله واحد وخالق واحد ومالك واحد.
 وإذن فحاكم واحد ومشرع واحد ومتصرف واحد.
 وإذن فشريعة واحدة ومنهج واحد وقانون واحد.
 وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله فهو إيمان وإسلام.
 أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل الله فهو كفر وظلم وفسوق وهذا هو الدين.
 كما أخذ الله ميثاق العباد جميعا عليه وكما جاء به كل الرسل من عنده أمة محمد والأمم قبلها على السواء.

 والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة .
والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ; أو المبادى ء والتوجيهات التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ; ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ; في أسلوب التقرير الدقيق وهو الطابع العام المميز لشخصية السورة من بدئها إلى منتهاها.

وقبل أن ننهي هذا التقديم للسورة لا يسعنا إلا أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا] يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية
إن هذه الآية تقرر بما لا مجال للجدال فيه أنه دين خالد وشريعة خالدة وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينا هي الصورة الأخيرة.
 إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان ; وليس لكل زمان شريعة ولا لكل عصر دين إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر قد اكتملت وتمت ورضيها الله للناس دينا فمن شاء أن يبدل أو يحور أو يغير أو يطور إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان فليبتغ غير الإسلام دينا [ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه].
 
‘‘ إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي والشعائر التعبدية والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله ; يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله ; وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور ; دون خروج على أصل فيه ولا فرع لأنه لهذا جاء ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين.
 إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع ; ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوى كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور ; بلا خروج على أصل أو فرع ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبا حسابه في ذلك المنهج ; لأن الله سبحانه لم يكن يخفي عليه وهو يضع هذا المنهج في صورته الأخيرة ويعلن إكماله وارتضاءه للناس دينا أن هناك تطورات ستقع وأن هناك حاجات ستبرز وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعا وما قدر الله حق قدره من يظن غير هذا في أمر من هذه الأمور’’
========================================
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
[يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود]

افتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها والحكم فيها بما أنزل الله كله ; والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله ; والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ، يعطي كلمة العقود معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله وفي أولها عقد الإيمان بالله ; ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ومقتضى العبودية لألوهيته.
 هذا العقد الذي تنبثق منه وتقوم عليه سائر العقود ; وسائر الضوابط في الحياة.
 وعقد الإيمان بالله ; والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ; ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق.
 هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم عليه السلام وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض بشرط وعقد هذا نصه القرآني
 [قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون]
فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله ; وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله باطلا بطلانا أصليا غير قابل للتصحيح المستأنف وتحتم على كل مؤمن بالله يريد الوفاء بعقد الله أن يرد هذا الباطل ولا يعترف به ; ولا يقبل التعامل على أساسه وإلا فما أوفى بعقد الله.
 ولقد تكرر هذا العقد أو هذا العهد مع ذرية آدم وهم بعد في ظهور آبائهم كما ورد في السورة الأخرى
 [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون]
 فهذا عقد آخر مع كل فرد ; عقد يقرر الله سبحانه أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم وليس لنا أن نسأل كيف لأن الله أعلم بخلقة ; وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم بما يلزمهم الحجة وهو يقول إنه أخذ عليهم هذا العهد على ربوبيته لهم فلا بد أن ذلك كان كما قال الله سبحانه فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء.
وعلى عقد الإيمان بالله والعبودية لله تقوم سائر العقود سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله.
[يا أيها الذين آمنوا]
 فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا بصفتهم هذه أن يوفوا بها إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء مستحثة لهم كذلك على الوفاء ومن ثم كان هذا النداء يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
 ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود .

[أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ]

إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح وفي الأنواع وفي الأماكن وفي الأوقات إن هذا كله من العقود وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده ; ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره ومن ثم نودوا هذا النداء في مطلع هذا البيان وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام
[أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم]
 وبمقتضى هذا الإحلال من الله ; وبمقتضى إذنه هذا وشرعه لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول بهيمة الأنعام من الذبائح والصيد إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها وهو الذي سيرد ذكره محرما إما حرمة وقتية أو مكانية ; وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ; ويضاف إليها الوحشي منها كالبقر الوحشي والحمر الوحشية والظباء.
[غير محلي الصيد وأنتم حرم]
 ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها فالإحرام للحج أو للعمرة تجرد عن أسباب الحياة العادية واساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام الذي جعله الله مثابة الأمان ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية ; تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة ; وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء ; وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله ; لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء.
[إن الله يحكم ما يريد]
يربط هذا العقد بالعقد الأكبر ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق طليقة مشيئته حاكمة إرادته متفردا سبحانه بالحكم وفق ما يريد ليس هنالك من يريد معه ; وليس هنالك من يحكم بعده ; ولا راد لما يحكم به وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء.
========================================
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ]
------------------------------------------
[الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً]
 وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم ليعلن كمال الرسالة وتمام النعمة.
 هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح ; وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها ما دلالة هذا؟
 إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ كل متكامل سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; ومايختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية وأن هذا في مجموعة هو الدين الذي يقول الله عنه في هذه الآية إنه أكمله وهو النعمة التي يقول الله للذين آمنوا إنه أتمها عليهم.
 وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية فكلها في مجموعها تكون المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا .
 والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه كالخروج عليه كله خروج على هذا الدين وخروج من هذا الدين بالتبعية.
 والأمر في هذا يرجع إلى أن رفض شيء من هذا المنهج الذي رضيه الله للمؤمنين واستبدال غيره به من صنع البشر ; معناه الصريح هو رفض ألوهية الله سبحانه وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر ; واعتداء على سلطان الله في الأرض وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى الحاكمية وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين ; والخروج من هذا الدين بالتبعية.
[ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم]
 يئسوا أن يبطلوه أو ينقصوه أو يحرفوه وقد كتب الله له الكمال ; وسجل له البقاء ولقد يغلبون على المسلمين في موقعة أو في فترة ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين فهو وحده الدين الذي بقي محفوظا لا يناله الدثور ولا يناله التحريف أيضا على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه ; وعلى شدة ما كادوا له وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة ; تعرف هذا الدين ; وتناضل عنه ويبقى فيها كاملا مفهوما محفوظا ; حتى تسلمه الى من يليها وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين
[فلا تخشوهم واخشون]
فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدا وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه ; فلا يكونوا هم الترجمة الحية له ; ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته ; ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة لا يقتصر على ذلك الجيل ; إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان نقول للذين آمنوا الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين بمعناه الكامل الشامل ; الذين يتخذون هذا الدين كله منهجا للحياة كلها وهؤلاء وحدهم هم المؤمنون.

-----------------------------------------------
[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]

اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية في حجة الوداع أكمل الله هذا الدين .

ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة
; فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة وتوجيهات عميقة ومقتضيات وتكاليف
 إن المؤمن يقف أولا أمام إكمال هذا الدين
; يستعرض موكب الإيمان وموكب الرسالات وموكب الرسل منذ فجر البشرية
ومنذ أول رسول آدم عليه السلام إلى هذه الرسالة الأخيرة رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين فماذا يرى؟
 يرى
هذا الموكب المتطاول المتواصل موكب الهدى والنور.
 ويرى معالم الطريق على طول الطريق.
 ولكنه يجد كل رسول قبل خاتم النبيين إنما أرسل لقومه
 ويرى كل رسالة قبل الرسالة الأخيرة إنما جاءت لمرحلة من الزمان
 رسالة خاصة لمجموعة خاصة في بيئة خاصة
كلها تدعو إلى إله واحد فهذا هو التوحيد
وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد فهذا هو الدين
وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد فهذا هو الإسلام
ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف.

’’ حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر ; أرسل إلى الناس كافة رسولا خاتم النبيين برسالة للإنسان لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة في زمان خاص في ظروف خاصة‘‘

 رسالة تخاطب الإنسان من وراء الظروف والبيئات والأزمنة ; لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم]
وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها وفي كل جوانب نشاطها
; وتضع لها المبادى الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان
; وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان
 وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة الإنسان
منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان ; من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات لكي تستمر وتنمو وتتطور وتتجدد ; حول هذا المحور وداخل هذا الإطار

وقال الله سبحانه للذين آمنوا [اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]
 فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا فهذا هو الدين
ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين بمعناه هذا نقصا يستدعي الإكمال
ولا قصورا يستدعي الإضافة
ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير وإلا فما هو بمؤمن
;
وما هو بمقر بصدق الله ;
 وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين
 إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان لأنها بشهادة الله شريعة الدين الذي جاء للإنسان في كل زمان وفي كل مكان ;
 لا لجماعة من بني الإنسان في جيل من الأجيال في مكان من الأمكنة كما كانت تجيء الرسل والرسالات
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي والمبادى ء الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان ; دون أن تخرج عليه إلا أن تخرج من إطار الإيمان
والله الذي خلق الإنسان ويعلم من خلق ; هو الذي رضي له هذا الدين ; المحتوى على هذه الشريعة فلا يقول إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان ; وبأطوار الإنسان.

-------------------------------------------------------------------------

[حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ]
وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة ; وهذا وحده يكفي فالله لا يحرم إلا الخبائث وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه وهل علم الناس كل ما يؤذي وكل ما يفيد؟
[وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ]
 وأما ما أهل لغير الله به فهو محرم لمناقضته ابتداء للإيمان.
 فالإيمان يوحد الله ويفرده سبحانه بالألوهية ويرتب على هذا التوحيد مقتضياته وأول هذه المقتضيات أن يكون التوجه إلى الله وحده بكل نية وكل عمل ; وأن يهل باسمه وحده في كل عمل وكل حركة ; وأن تصدر باسمه وحده كل حركة وكل عمل..

[
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ]
 وأما المنخنقة وهي التي تموت خنقا.
 والموقوذة وهي التي تضرب بعصا أو خشبة أو حجر فتموت.
 والمتردية وهي التي تتردى من سطح أو جبل أو تتردى في بئر فتموت.
 والنطيحة وهي التي تنطحها بهيمة فتموت.
 وما أكل السبع وهي الفريسة لأي من الوحش فهي كلها أنواع من الميتة إذا لم تدرك بالذبح وفيها الروح.

[إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ]
 إلا ما ذكيتم فحكمها هو حكم الميتة إنما فصل هنا لنفي الشبهة في أن يكون لها حكم مستقل على أن هناك اختلافا في حكم التذكية ومتى تعتبر البهيمة مذكاة ; فبعض الأقوال يخرج من المذكاة البهيمة التي يكون ما حل بها من شأنه أن يقتلها سريعا أو يقتلها حتما فهذه حتى لو أدركت بالذبح لا تكون مذكاة بينما بعض الأقوال يعتبرها مذكاة متى أدركت وفيها الروح أيا كان نوع الإصابة والتفصيل يطلب في كتب الفقة المختصة.
[و ما ذبح على النصب]
 وهي أصنام كانت في الكعبة وكان المشركون يذبحون عندها وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية ومثلها غيرها في أي مكان فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام حتى لو ذكر اسم الله عليه لما فيه من معنى الشرك بالله.
[وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ]
 ويبقى الاستقسام بالأزلام والأزلام قداح كانوا يستشيرونها في الإقدام على العمل أو تركه وكانت كذلك تستخدم في الميسر المعروف عند العرب ; فتقسم بواسطتها الجزور أي الناقة التي يتقامرون عليها إذ يكون لكل من المتقامرين قدح فحرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه نوع من الميسر المحرم وحرم اللحوم التي تقسم عن هذا الطريق.
[فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم]
فالمضطر من الجوع وهو المخمصة الذي يخشى على حياته التلف له أن يأكل من هذه المحرمات ; ما دام أنه لا يتعمد الإثم ولا يقصد مقارفة الحرام وتختلف آراء الفقهاء في حد هذا الأكل ، وحسبنا هنا أن ندرك ما في هذا الدين من يسر وهو يعطى للضرورات أحكامها بلا عنت ولا حرج مع تعليق الأمر كله بالنية المستكنة ; والتقوى الموكولة إلى الله فمن أقدم مضطرا لا نية له في مقارفة الحرام ولا قصد فلا إثم عليه إذن ولا عقاب فإن الله غفور رحيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق