الاثنين، 5 سبتمبر 2011

عن الطغيان و الفساد


إن من أبرز ما يميز (فى ظلال القرآن) هو التناول العميق لمعانى الآيات و جوانب أحداثها من شتى الأوجه و فى سورتين من جزء عم الذى يقول عنه صاحب الظلال رحمه الله:
 
’’ هذا الجزء كله ذو طابع غالب . . سوره كلها من قصار السور على تفاوت في القصر
 .
والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة - على وجه التقريب - في موضوعها واتجاهها , وإيقاعها , وصورها وظلالها , وأسلوبها العام .
إنها طرقات متوالية على الحس .
 طرقات عنيفة قوية عالية .
 وصيحات .

 صيحات بقوم غارقين في النوم ! نومهم ثقيل !
 أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخمار !
أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء !
تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد:اصحوا
. استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا . . إن هنالك إلها . وإن هنالك تدبيرا . وإن هنالك تقديرا . وإن هنالك ابتلاء . وإن هنالك تبعة . وإن هنالك حسابا . وإن هنالك جزاء . وإن هنالك عذابا شديدا . ونعيما كبيرا . . اصحوا . استيقظوا . انظروا تلفتوا تفكروا تدبروا وهكذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة.
ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزا عنيفا . .
وهم كأنما يفتحون أعينهم ينظرون في خمار مرة , ثم يعودون لما كانوا فيه !
فتعود اليد القوية تهزهم هزا عنيفا ; ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد ; وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب
. . وأحيانا يتيقظ النوام ليقولوا:في إصرار وعناد:لا . . ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء . .
ثم يعودون لما كانوا فيه .
فيعود إلى هزهم من جديد
.
هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء . وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد , عظيمة القدر , ثقيلة الوزن . وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب . وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس . وعلى أحداث معينة في يوم الفصل . وأرى تكرارها مع تنوعها . هذا التكرار الموحي بأمر وقصد !‘‘

و فى سورتين من هذا الجزء نشاهد موقف فرعون من رسول الله موسى – عليه السلام – و موقف من حوله و عاقبتهم ، لا بشكل الاطلاع التاريخى على الأحداث و لكن بشكل المشاهدة و المعايشة و التدبر و التفكر.
ففى سورة النازعات يقول المولى عز وجل

[فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ،فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ] الآية 21-26 سورة النازعات
و فى سورة الفجر يقول عز من قائل
[وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]  الآية 10-14 سورة الفجر

و يقول صاحب الظلال -رحمه الله- عن هذه الآيات:

(فكذب وعصى). . وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال !
ثم يعرض مشهدا آخر . مشهد فرعون يتولى عن موسى , ويسعى في جمع السحرة للمباراة بين السحر والحق . حين عز عليه أن يستسلم للحق والهدى: (  ثم أدبر يسعى . فحشر فنادى . فقال:أنا ربكم الأعلى). .
ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة , مجملا مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها . فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة  فحشر السحرة والجماهير

ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة , المليئة بالغرور والجهالة: (أنا ربكم الأعلى). .

قالها الطاغية مخدوعا بغفلة جماهيره , وإذعانها وانقيادها .
 فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها .
 وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانا .
 إنما هي الجماهير الغافلة الذلول , تمطي له ظهرها فيركب !
وتمد له أعناقها فيجر
!
وتحني له رؤوسها فيستعلي !
وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى
!

والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى .
وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم .
 فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين ,
 لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها .
وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئا !
وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدا .
وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدا .
 وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرا ولا رشدا
!

فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان , ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: (أنا ربكم الأعلى). .
 وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة , تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء .
 وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب شيئا
!

وأمام هذا التطاول الوقح , بعد الطغيان البشع , تحركت القوة الكبرى:
(فأخذه الله نكال الآخرة والأولى). .
ويقدم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى . . لأنه أشد وأبقى .
 فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعصاة بشدته وبخلوده .
. ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي .
. ولأنه يتسق لفظيا مع الإيقاع الموسيقي في القافية بعد اتساقه معنويا مع الموضوع الرئيسي , ومع الحقيقة الأصيلة
.
ونكال الأولى كان عنيفا قاسيا . فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى ?
 وفرعون كان ذا قوة وسلطان

ومجد موروث عريق ; فكيف بغيره من المكذبين ?
وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين
?
(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى(. .
فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه .
 أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز ,
وبينه وبين العظة حجاب .
حتى يصطدم بالعاقبة اصطداما .
 وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى .
 وكل ميسر لنهج , وكل ميسر لعاقبة

.
والعبرة لمن يخشى . .

وفرعون ذي الأوتاد
 
وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان
وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار

هؤلاء هم الذين [طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد]

وليس وراء الطغيان إلا الفساد
 فالطغيان يفسد الطاغية
ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء
كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة
ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف المعمر الباني إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال
 إنه يجعل الطاغية أسير هواه لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت
ولا يقف عند حد ظاهر فيفسد هو أول من يفسد ;
 ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف ;
وكذلك قال فرعون (أنا ربكم الأعلى) عندما أفسده طغيانه
فتجاوز به مكان العبد المخلوق وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح وهو فساد أي فساد

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء مع السخط الدفين والحقد الكظيم
فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية
وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية
والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة
وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع
وهو فساد أي فساد

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة لأنها خطر على الطغاة والطغيان
 فلابد من تزييف للقيم
وتزوير في الموازين
وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة وتراها مقبولة مستساغة
وهو فساد أي فساد
 
فلما أكثروا في الأرض الفساد كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد

[فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد]
 
فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم
فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب
وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط
وبفيضه وغمره حين يذكر الصب
حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد
ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان
ومن قوله تعالى إن ربك لبالمرصاد تفيض طمأنينة خاصة
فربك هناك راصد لا يفوته شيء
مراقب لا يند عنه شيء
فليطمئن بال المؤمن ولينم ملء جفونه
فإن ربه هناك بالمرصاد للطغيان والشر والفساد
وهكذا نرى هنا نماذج من قدر الله في أمر الدعوة غير النموذج التي تعرضه سورة البروج لأصحاب الأخدود
وقد كان القرآن ولا يزال يربي المؤمنين بهذا النموذج وذاك وفق الحالات والملابسات
ويعد نفوس المؤمنين لهذا وذاك على السواء
لتطمئن على الحالين
وتتوقع الأمرين
وتكل كل شيء لقدر الله يجريه كما يشاء.

كانت هذه الصيحات و الطرقات كما أسماها صاحب الظلال التى تصيح و تطرق على حواس الطغاة و جماهيرهم لعلهم يتنبهو و يفيقو قبل أن يُفسدو و يَفسدو ......

الجمعة، 19 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء السادس – سورة المائدة



الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ] 

======================================================


نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم
لينشى ء به أمة...
وليقيم به دولة....
ولينظم به مجتمعا
; وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا
وليحدد به روابط ذلك المجتمع ; فيما بينه
وروابط تلك الدولة مع سائر الدول
وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم
وليربط ذلك كله برباط قوي واحد يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى مصدر واحد وإلى سلطان واحد وإلى جهة واحدة وذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله ; وكما عرفه المسلمون أيام أن كانوا مسلمين.

 ومن ثم نجد في هذه السورة كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها موضوعات شتى ; الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه إنشاء أمة وإقامة دولة وتنظيم مجتمع ; على أساس من عقيدة خاصة وتصور معين وبناء جديد الأصل فيه إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ; وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.
وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة وتقديم سورة آل عمران وتقديم سورة النساء نقول هنا عن:
 المعركة التي كان القرآن يخوضها بالجماعة المسلمة مع أعداء هذه الجماعة وأعداء دينها وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون .
وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين.
 ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات
.
 كل ذلك في وقت واحد ; وفي منهج واحد ; وفي نفس واحد.

 وأهم قواعد البناء تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش وبيان معنى الدين وأنه هو منهج الحياة. وأن الحكم بما أنزل الله وحده والتلقي في شئون الحياة كلها من الله وحده هو الإيمان وهو الإسلام ; وبغير هذا لا يكون هناك توحيد لله فتوحيد الله هو إفراده سبحانه بالألوهية ; وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك.
وهكذا تتبين القضية إله واحد وخالق واحد ومالك واحد.
 وإذن فحاكم واحد ومشرع واحد ومتصرف واحد.
 وإذن فشريعة واحدة ومنهج واحد وقانون واحد.
 وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله فهو إيمان وإسلام.
 أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل الله فهو كفر وظلم وفسوق وهذا هو الدين.
 كما أخذ الله ميثاق العباد جميعا عليه وكما جاء به كل الرسل من عنده أمة محمد والأمم قبلها على السواء.

 والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة .
والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ; أو المبادى ء والتوجيهات التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ; ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ; في أسلوب التقرير الدقيق وهو الطابع العام المميز لشخصية السورة من بدئها إلى منتهاها.

وقبل أن ننهي هذا التقديم للسورة لا يسعنا إلا أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا] يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية
إن هذه الآية تقرر بما لا مجال للجدال فيه أنه دين خالد وشريعة خالدة وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينا هي الصورة الأخيرة.
 إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان ; وليس لكل زمان شريعة ولا لكل عصر دين إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر قد اكتملت وتمت ورضيها الله للناس دينا فمن شاء أن يبدل أو يحور أو يغير أو يطور إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان فليبتغ غير الإسلام دينا [ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه].
 
‘‘ إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي والشعائر التعبدية والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله ; يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله ; وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور ; دون خروج على أصل فيه ولا فرع لأنه لهذا جاء ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين.
 إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع ; ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوى كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور ; بلا خروج على أصل أو فرع ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبا حسابه في ذلك المنهج ; لأن الله سبحانه لم يكن يخفي عليه وهو يضع هذا المنهج في صورته الأخيرة ويعلن إكماله وارتضاءه للناس دينا أن هناك تطورات ستقع وأن هناك حاجات ستبرز وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعا وما قدر الله حق قدره من يظن غير هذا في أمر من هذه الأمور’’
========================================
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ سورة المائدة - الآية 1 ]
[يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود]

افتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها والحكم فيها بما أنزل الله كله ; والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله ; والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ، يعطي كلمة العقود معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله وفي أولها عقد الإيمان بالله ; ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ومقتضى العبودية لألوهيته.
 هذا العقد الذي تنبثق منه وتقوم عليه سائر العقود ; وسائر الضوابط في الحياة.
 وعقد الإيمان بالله ; والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ; ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق.
 هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم عليه السلام وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض بشرط وعقد هذا نصه القرآني
 [قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون]
فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله ; وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله باطلا بطلانا أصليا غير قابل للتصحيح المستأنف وتحتم على كل مؤمن بالله يريد الوفاء بعقد الله أن يرد هذا الباطل ولا يعترف به ; ولا يقبل التعامل على أساسه وإلا فما أوفى بعقد الله.
 ولقد تكرر هذا العقد أو هذا العهد مع ذرية آدم وهم بعد في ظهور آبائهم كما ورد في السورة الأخرى
 [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون]
 فهذا عقد آخر مع كل فرد ; عقد يقرر الله سبحانه أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم وليس لنا أن نسأل كيف لأن الله أعلم بخلقة ; وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم بما يلزمهم الحجة وهو يقول إنه أخذ عليهم هذا العهد على ربوبيته لهم فلا بد أن ذلك كان كما قال الله سبحانه فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء.
وعلى عقد الإيمان بالله والعبودية لله تقوم سائر العقود سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله.
[يا أيها الذين آمنوا]
 فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا بصفتهم هذه أن يوفوا بها إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء مستحثة لهم كذلك على الوفاء ومن ثم كان هذا النداء يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
 ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود .

[أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ]

إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح وفي الأنواع وفي الأماكن وفي الأوقات إن هذا كله من العقود وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده ; ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره ومن ثم نودوا هذا النداء في مطلع هذا البيان وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام
[أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم]
 وبمقتضى هذا الإحلال من الله ; وبمقتضى إذنه هذا وشرعه لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول بهيمة الأنعام من الذبائح والصيد إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها وهو الذي سيرد ذكره محرما إما حرمة وقتية أو مكانية ; وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ; ويضاف إليها الوحشي منها كالبقر الوحشي والحمر الوحشية والظباء.
[غير محلي الصيد وأنتم حرم]
 ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها فالإحرام للحج أو للعمرة تجرد عن أسباب الحياة العادية واساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام الذي جعله الله مثابة الأمان ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية ; تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة ; وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء ; وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله ; لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء.
[إن الله يحكم ما يريد]
يربط هذا العقد بالعقد الأكبر ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق طليقة مشيئته حاكمة إرادته متفردا سبحانه بالحكم وفق ما يريد ليس هنالك من يريد معه ; وليس هنالك من يحكم بعده ; ولا راد لما يحكم به وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء.
========================================
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ سورة المائدة - الآية 3 ]
------------------------------------------
[الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً]
 وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم ليعلن كمال الرسالة وتمام النعمة.
 هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح ; وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها ما دلالة هذا؟
 إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ كل متكامل سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; ومايختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية وأن هذا في مجموعة هو الدين الذي يقول الله عنه في هذه الآية إنه أكمله وهو النعمة التي يقول الله للذين آمنوا إنه أتمها عليهم.
 وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية فكلها في مجموعها تكون المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا .
 والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه كالخروج عليه كله خروج على هذا الدين وخروج من هذا الدين بالتبعية.
 والأمر في هذا يرجع إلى أن رفض شيء من هذا المنهج الذي رضيه الله للمؤمنين واستبدال غيره به من صنع البشر ; معناه الصريح هو رفض ألوهية الله سبحانه وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر ; واعتداء على سلطان الله في الأرض وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى الحاكمية وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين ; والخروج من هذا الدين بالتبعية.
[ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم]
 يئسوا أن يبطلوه أو ينقصوه أو يحرفوه وقد كتب الله له الكمال ; وسجل له البقاء ولقد يغلبون على المسلمين في موقعة أو في فترة ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين فهو وحده الدين الذي بقي محفوظا لا يناله الدثور ولا يناله التحريف أيضا على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه ; وعلى شدة ما كادوا له وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة ; تعرف هذا الدين ; وتناضل عنه ويبقى فيها كاملا مفهوما محفوظا ; حتى تسلمه الى من يليها وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين
[فلا تخشوهم واخشون]
فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدا وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه ; فلا يكونوا هم الترجمة الحية له ; ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته ; ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة لا يقتصر على ذلك الجيل ; إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان نقول للذين آمنوا الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين بمعناه الكامل الشامل ; الذين يتخذون هذا الدين كله منهجا للحياة كلها وهؤلاء وحدهم هم المؤمنون.

-----------------------------------------------
[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]

اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية في حجة الوداع أكمل الله هذا الدين .

ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة
; فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة وتوجيهات عميقة ومقتضيات وتكاليف
 إن المؤمن يقف أولا أمام إكمال هذا الدين
; يستعرض موكب الإيمان وموكب الرسالات وموكب الرسل منذ فجر البشرية
ومنذ أول رسول آدم عليه السلام إلى هذه الرسالة الأخيرة رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين فماذا يرى؟
 يرى
هذا الموكب المتطاول المتواصل موكب الهدى والنور.
 ويرى معالم الطريق على طول الطريق.
 ولكنه يجد كل رسول قبل خاتم النبيين إنما أرسل لقومه
 ويرى كل رسالة قبل الرسالة الأخيرة إنما جاءت لمرحلة من الزمان
 رسالة خاصة لمجموعة خاصة في بيئة خاصة
كلها تدعو إلى إله واحد فهذا هو التوحيد
وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد فهذا هو الدين
وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد فهذا هو الإسلام
ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف.

’’ حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر ; أرسل إلى الناس كافة رسولا خاتم النبيين برسالة للإنسان لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة في زمان خاص في ظروف خاصة‘‘

 رسالة تخاطب الإنسان من وراء الظروف والبيئات والأزمنة ; لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم]
وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها وفي كل جوانب نشاطها
; وتضع لها المبادى الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان
; وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان
 وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة الإنسان
منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان ; من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات لكي تستمر وتنمو وتتطور وتتجدد ; حول هذا المحور وداخل هذا الإطار

وقال الله سبحانه للذين آمنوا [اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا]
 فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا فهذا هو الدين
ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين بمعناه هذا نقصا يستدعي الإكمال
ولا قصورا يستدعي الإضافة
ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير وإلا فما هو بمؤمن
;
وما هو بمقر بصدق الله ;
 وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين
 إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان لأنها بشهادة الله شريعة الدين الذي جاء للإنسان في كل زمان وفي كل مكان ;
 لا لجماعة من بني الإنسان في جيل من الأجيال في مكان من الأمكنة كما كانت تجيء الرسل والرسالات
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي والمبادى ء الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان ; دون أن تخرج عليه إلا أن تخرج من إطار الإيمان
والله الذي خلق الإنسان ويعلم من خلق ; هو الذي رضي له هذا الدين ; المحتوى على هذه الشريعة فلا يقول إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان ; وبأطوار الإنسان.

-------------------------------------------------------------------------

[حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ]
وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة ; وهذا وحده يكفي فالله لا يحرم إلا الخبائث وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه وهل علم الناس كل ما يؤذي وكل ما يفيد؟
[وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ]
 وأما ما أهل لغير الله به فهو محرم لمناقضته ابتداء للإيمان.
 فالإيمان يوحد الله ويفرده سبحانه بالألوهية ويرتب على هذا التوحيد مقتضياته وأول هذه المقتضيات أن يكون التوجه إلى الله وحده بكل نية وكل عمل ; وأن يهل باسمه وحده في كل عمل وكل حركة ; وأن تصدر باسمه وحده كل حركة وكل عمل..

[
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ]
 وأما المنخنقة وهي التي تموت خنقا.
 والموقوذة وهي التي تضرب بعصا أو خشبة أو حجر فتموت.
 والمتردية وهي التي تتردى من سطح أو جبل أو تتردى في بئر فتموت.
 والنطيحة وهي التي تنطحها بهيمة فتموت.
 وما أكل السبع وهي الفريسة لأي من الوحش فهي كلها أنواع من الميتة إذا لم تدرك بالذبح وفيها الروح.

[إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ]
 إلا ما ذكيتم فحكمها هو حكم الميتة إنما فصل هنا لنفي الشبهة في أن يكون لها حكم مستقل على أن هناك اختلافا في حكم التذكية ومتى تعتبر البهيمة مذكاة ; فبعض الأقوال يخرج من المذكاة البهيمة التي يكون ما حل بها من شأنه أن يقتلها سريعا أو يقتلها حتما فهذه حتى لو أدركت بالذبح لا تكون مذكاة بينما بعض الأقوال يعتبرها مذكاة متى أدركت وفيها الروح أيا كان نوع الإصابة والتفصيل يطلب في كتب الفقة المختصة.
[و ما ذبح على النصب]
 وهي أصنام كانت في الكعبة وكان المشركون يذبحون عندها وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية ومثلها غيرها في أي مكان فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام حتى لو ذكر اسم الله عليه لما فيه من معنى الشرك بالله.
[وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ]
 ويبقى الاستقسام بالأزلام والأزلام قداح كانوا يستشيرونها في الإقدام على العمل أو تركه وكانت كذلك تستخدم في الميسر المعروف عند العرب ; فتقسم بواسطتها الجزور أي الناقة التي يتقامرون عليها إذ يكون لكل من المتقامرين قدح فحرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه نوع من الميسر المحرم وحرم اللحوم التي تقسم عن هذا الطريق.
[فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم]
فالمضطر من الجوع وهو المخمصة الذي يخشى على حياته التلف له أن يأكل من هذه المحرمات ; ما دام أنه لا يتعمد الإثم ولا يقصد مقارفة الحرام وتختلف آراء الفقهاء في حد هذا الأكل ، وحسبنا هنا أن ندرك ما في هذا الدين من يسر وهو يعطى للضرورات أحكامها بلا عنت ولا حرج مع تعليق الأمر كله بالنية المستكنة ; والتقوى الموكولة إلى الله فمن أقدم مضطرا لا نية له في مقارفة الحرام ولا قصد فلا إثم عليه إذن ولا عقاب فإن الله غفور رحيم.

الأحد، 14 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الخامس – سورة النساء (1)

الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]

وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]

[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]
هذه السورة مدنية وهي أطول سور القرآن بعد سورة البقرة ومنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة والمنتظر على كل حال أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية إلى ما بعد السنة الثامنة حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة

حين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات هذه السورة كانت تتنزل فيها .
ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد بالجماعة المسلمة وقد التقطها من ذلك السفح الهابط الذي تمثله تلك الرواسب فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح فيرتقي بها إلى تلك القمة رويدا رويدا في يسر ورفق وفي ثبات وصبر وفي خطو متناسق موزون.

 وفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم بعد تطهيره من رواسب الجاهلية وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .

نجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة واتصالها بوشيجة الرحم مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة ذات الخالق الواحد وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة ; وتنظيم الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والمجتمع الإنساني كله على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية.
وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات في الحالات المتعددة وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها أو في خواتيمها توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات وبين الأصل الذي تنبثق منه وهو الربوبية التي لها حق التشريع والتنظيم هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم الدرس الأول تذكير الإنسانية بأصلها الواحد ، وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي تقوم عليها الحياة الجماعية.

---------------------------------------------------------------
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]
بآية الافتتاح التي ترد الناس إلى رب واحد وخالق واحد ; كما تردهم إلى أصل واحد وأسرة واحدة.
 وتجعل وحدة الإنسانية هي النفس  ووحدة المجتمع هي الأسرة.
 وتستجيش في النفس تقوى الرب ورعاية الرحم لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة ثم في الإنسانية الواحدة وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة .
[يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم]

إنه الخطاب للناس بصفتهم هذه لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم والذي خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
 إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا وعميقة جدا وثقيلة جدا ولو القى الناس أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية أو من الجاهليات المختلفة إلى الإيمان والرشد والهدى وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة بالناس و بالنفس واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى.
 إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه فمن الذي جاء بهم أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم فقد كانوا قبل أن يجيئوا عدما لا إرادة له.
 لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء فإرادة أخرى إذن غير إرادتهم هي التي جاءت بهم إلى هنا.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي قررت أن تخلقهم.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي رسمت لهم الطريق وهي التي اختارت لهم خط الحياة.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون وعلى غير استعداد إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد.
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق.
 إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم وخطت لهم طريق الحياة فيه ومنحتهم القدرة على التعامل معه لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير.
 وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم.
 وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون فيرجعون إلى النهج الواحد الذي إراده الله رب العالمين.
 كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة تتصل في رحم واحدة وتلتقي في وشيجة واحدة وتنبثق من أصل واحد وتنتسب إلى نسب واحد.
 [من نفس واحدة]
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة التي نشأت في حياتهم متأخرة ففرقت بين أبناء النفس الواحدة ومزقت وشائح الرحم الواحدة وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية وصلة النفس وحقها في المودة وصلة الربوبية وحقها في التقوى.

 واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ; في الجاهلية الحديثة التي تفرق بين الألوان وتفرق بين العناصر وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة.

 [و خلق منها زوجها]
 والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة خلق منها زوجها كانت كفيلة لو أدركتها البشرية أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة التي تردت فيها وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة وتراها منبع الرجس وأصل الشر والبلاء وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا خلقها الله لتكون لها زوجا وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فلا فارق في الأصل والفطرة إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة.
 ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها فترة من الزمان تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ونفس خلقت لنفس وشطر مكمل لشطر وأنهما ليسا فردين متماثلين إنما هما زوجان متكاملان والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد.
[وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، و اتقوا الله الذى تسائلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا]
كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة فخلق ابتداء نفسا واحدة وخلق منها زوجها فكانت أسرة من زوجين [وبث منهما رجالا كثيرا ونساء] ولو شاء الله لخلق في أول النشأة رجالا كثيرا ونساء وزوجهم فكانوا أسرا شتى من أول الطريق لا رحم بينها من مبدأ الأمر ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد وهي الوشيجة الأولى ولكنه سبحانه شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها أن يضاعف الوشائج.
وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]
وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع وشهوة تطاع وانحراف وفسوق وضلال.
ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات؟
فماذا يريد الله بالناس حين يبين لهم منهجه ويشرع لهم سنته؟

إنه يريد أن يتوب عليهم يريد أن يهديهم يريد أن يجنبهم المزالق يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة.
 وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله ولم يشرعها لعباده؟
 إنهم يريدون لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون في هذا الميدان الخاص.
ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي.
 يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح من أي لون كان ، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب ولا يسكن معه عصب ولا يطمئن معه بيت ولا يسلم معه عرض ولا تقوم معه أسرة.

 وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه وهو يحذرهم مما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي الذي لا عاصم منه إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله
.
------------------------------------------------------------
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]
هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها.
 أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل على منهج الله وتعليمه.
 
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
 أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به والاهتداء إليه ومعرفته وعبادته وطاعته وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته وإلى عقله وإلى معرفته وإلى إرادته وإلى اتجاهه وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات ومن هذه الأمانة الكبرى تنبثق سائر الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى.

 ومن هذه الأمانات أمانة الشهادة لهذا الدين الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له ترجمة حية في شعورها وسلوكها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومزيته بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان وهي إحدى الأمانات.

 ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم ف « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » على هذا الأساس أداء لإحدى الأمانات.
كما أن الأمانة بكل مدلولاتها هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.

 ومن هذه الأمانات الداخلة في ثنايا ما سبق أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم.
 أمانة المعاملات والودائع المادية.
 وأمانة النصيحة للراعي وللرعية.
 وأمانة القيام على الأطفال الناشئة.
 وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي.

[وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ]
 ويجملها النص هذا الإجمال فأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين الناس جميعا لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا فهذه الصفة صفة الناس هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا مؤمنين وكفارا أصدقاء وأعداء سودا وبيضا عربا وعجما.
 والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل متى حكمت في أمرهم.

هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة إلا على يد الإسلام وإلا في حكم المسلمين وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا لأنهم ناس لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه الناس وذلك هو أساس الحكم في الإسلام .
[إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ]
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله سبحانه وتوجيهه ونقف أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه.
 فالأصل في تركيب الجملة إنه نعم ما يعظكم الله به ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة فيجعله اسم إن ويجعل نعم ما نعمًا ومتعلقاتها في مكان خبر إن بعد حذف الخبر ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به ثم إنها لم تكن عظة إنما كانت أمرًا ولكن التعبير يسميه عظة لأن العظة أبلغ إلى القلب وإسرع إلى الوجدان وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء
[إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرا]
 فالله يسمع ويبصر قضايا العدل وقضايا الأمانة.
 والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير وإلى مراعاة الملابسات والظواهر وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر.
 وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.



إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]

ثم كانت الآيات ذوات العدد تتنزل لإنصاف يهودي فرد من اتهام ظالم وجهته إليه عصبة من المسلمين من الأنصار ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادىء السامقة بعد ولم تخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية كل الخلوص.
 فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي والتواطؤ على اتهامه والشهادة ضده في حادث سرقة درع أمام النبي ص حتى كاد أن يقضي عليه بحد السرقة ويبرىء الفاعل الأصلي تنزلت هذه الآيات ذوات العدد فيها عتاب شديد للنبي ص وفيها إنحاء باللائمة على العصبة من أهل المدينة - الذين آووا النبي ص وعزروه ونصروه -  إنصافا ليهودي - من تلك الفئة التي تؤذي رسول الله ص أشد الإيذاء وتنصب لدعوته وتكيد له وللمسلمين هذا الكيد اللئم -  وفيها تهديد وإنذار لمن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا وفيها من ثم تلك النقلة العجيبة إلى تلك القمة السامقة وتلك الإشارة الوضيئة إلى ذلك المرتقى الصاعد لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي.



[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ،
وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً]

إننا نحس في التعبير صرامة يفوح منها الغضب للحق والغيرة على العدل ; وتشيع في جو الآيات وتفيض منها وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله ص بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين يدافع عنهم ويجادل وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه عن هذه المجادلة .

[وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ]

ثم تكرار هذا النهي ; ووصف هؤلاء الخائنين الذين جادل عنهم صلى الله عليه و سلم بأنهم يختانون أنفسهم وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا وهم خانوا غيرهم في الظاهر ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم فقد خانوا الجماعة ومنهجها ومبادئها التي تميزها وتفردها.
 وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها وهم منها.
 ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء حيث يكرههم الله ويعاقبهم بما أثموا وهي خيانة للنفس من غير شك.
 وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة.

 [إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا]
 وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ولا أن يحامي عنهم أحد وقد كرههم الله للإثم والخيانة.

[يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً]
 
وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية زرية بما فيها من ضعف والتواء وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ; ويستخفون بها عن الناس والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون ; مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون وهم يزورون من القول مالا يرضاه فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف وكان الله بما يعملون محيطًا إجمالا وإطلاقا فأين يذهبون بما يبيتون والله معهم إذ يبيتون والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب ; على كل من جادل عن الخائنين
ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]

إنها آيات ثلاث تقرر المبادىء الكلية التي يعامل بها الله عباده ; والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيمًا]

الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه وباب المغفرة على سعته ; وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب.
 والذي يعمل السوء يظلم غيره ويظلم نفسه وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين ; ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بواب حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفورا رحيما.

[ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما]

 والآية الثانية تقرر فردية التبعة وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة.
 الخوف من عمله وكسبه.
 والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره .

ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة.
 كما أنه ليست هناك كفارة غير الكفارة التي تؤديها النفس عن نفسها وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب توازن عجيب في هذا التصور الفريد هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته التي تطمئن الفطرة وتحقق العدل الإلهي المطلق ; المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان.

[ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]
 
والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البرى ء وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينًا.
 البهتان في رميه البرى ء.
 والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمى به البرى ء.
 وقد احتملهما معه وكأنما
هما حمل يحمل على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور.

 وبهذة القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي:
 يحاسب كل فرد على ما اجترح ولا يدع المجرم يمضي ناجيا إذا ألقى جرمه على سواه.
 وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه.
 ويضرب موعدا مع الله سبحانه في كل لحظة للتائبين المستغفرين الذين يطرقون الأبواب في كل حين بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران.
 ‘‘ فماذا ماذا يملك الإنسان أن يقول إلا أنه المنهج الفريد الذي يملك وحده أن يلتقط الجماعة البشرية من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة في مثل هذا الزمن القصير.’’