الأحد، 14 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الخامس – سورة النساء (1)

الآيات المختارة:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]

وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]

[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]
هذه السورة مدنية وهي أطول سور القرآن بعد سورة البقرة ومنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة والمنتظر على كل حال أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية إلى ما بعد السنة الثامنة حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة

حين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات هذه السورة كانت تتنزل فيها .
ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد بالجماعة المسلمة وقد التقطها من ذلك السفح الهابط الذي تمثله تلك الرواسب فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح فيرتقي بها إلى تلك القمة رويدا رويدا في يسر ورفق وفي ثبات وصبر وفي خطو متناسق موزون.

 وفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم بعد تطهيره من رواسب الجاهلية وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .

نجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة واتصالها بوشيجة الرحم مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة ذات الخالق الواحد وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة ; وتنظيم الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والمجتمع الإنساني كله على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية.
وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات في الحالات المتعددة وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها أو في خواتيمها توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات وبين الأصل الذي تنبثق منه وهو الربوبية التي لها حق التشريع والتنظيم هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم الدرس الأول تذكير الإنسانية بأصلها الواحد ، وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي تقوم عليها الحياة الجماعية.

---------------------------------------------------------------
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ سورة النساء - الآية 1 ]
بآية الافتتاح التي ترد الناس إلى رب واحد وخالق واحد ; كما تردهم إلى أصل واحد وأسرة واحدة.
 وتجعل وحدة الإنسانية هي النفس  ووحدة المجتمع هي الأسرة.
 وتستجيش في النفس تقوى الرب ورعاية الرحم لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة ثم في الإنسانية الواحدة وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة .
[يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم]

إنه الخطاب للناس بصفتهم هذه لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم والذي خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
 إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا وعميقة جدا وثقيلة جدا ولو القى الناس أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية أو من الجاهليات المختلفة إلى الإيمان والرشد والهدى وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة بالناس و بالنفس واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى.
 إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه فمن الذي جاء بهم أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم فقد كانوا قبل أن يجيئوا عدما لا إرادة له.
 لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء فإرادة أخرى إذن غير إرادتهم هي التي جاءت بهم إلى هنا.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي قررت أن تخلقهم.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي رسمت لهم الطريق وهي التي اختارت لهم خط الحياة.
 إرادة أخرى غير إرادتهم هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون وعلى غير استعداد إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد.
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق.
 إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم وخطت لهم طريق الحياة فيه ومنحتهم القدرة على التعامل معه لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء.
 وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير.
 وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم.
 وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون فيرجعون إلى النهج الواحد الذي إراده الله رب العالمين.
 كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة تتصل في رحم واحدة وتلتقي في وشيجة واحدة وتنبثق من أصل واحد وتنتسب إلى نسب واحد.
 [من نفس واحدة]
 ولو تذكر الناس هذه الحقيقة لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة التي نشأت في حياتهم متأخرة ففرقت بين أبناء النفس الواحدة ومزقت وشائح الرحم الواحدة وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية وصلة النفس وحقها في المودة وصلة الربوبية وحقها في التقوى.

 واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ; في الجاهلية الحديثة التي تفرق بين الألوان وتفرق بين العناصر وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة.

 [و خلق منها زوجها]
 والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة خلق منها زوجها كانت كفيلة لو أدركتها البشرية أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة التي تردت فيها وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة وتراها منبع الرجس وأصل الشر والبلاء وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا خلقها الله لتكون لها زوجا وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فلا فارق في الأصل والفطرة إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة.
 ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها فترة من الزمان تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ونفس خلقت لنفس وشطر مكمل لشطر وأنهما ليسا فردين متماثلين إنما هما زوجان متكاملان والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد.
[وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، و اتقوا الله الذى تسائلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا]
كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة فخلق ابتداء نفسا واحدة وخلق منها زوجها فكانت أسرة من زوجين [وبث منهما رجالا كثيرا ونساء] ولو شاء الله لخلق في أول النشأة رجالا كثيرا ونساء وزوجهم فكانوا أسرا شتى من أول الطريق لا رحم بينها من مبدأ الأمر ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد وهي الوشيجة الأولى ولكنه سبحانه شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها أن يضاعف الوشائج.
وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [ سورة النساء - الآية 27 ]
وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع وشهوة تطاع وانحراف وفسوق وضلال.
ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات؟
فماذا يريد الله بالناس حين يبين لهم منهجه ويشرع لهم سنته؟

إنه يريد أن يتوب عليهم يريد أن يهديهم يريد أن يجنبهم المزالق يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة.
 وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله ولم يشرعها لعباده؟
 إنهم يريدون لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون في هذا الميدان الخاص.
ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي.
 يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح من أي لون كان ، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب ولا يسكن معه عصب ولا يطمئن معه بيت ولا يسلم معه عرض ولا تقوم معه أسرة.

 وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه وهو يحذرهم مما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي الذي لا عاصم منه إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله
.
------------------------------------------------------------
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ سورة النساء - الآية 58 ]
هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها.
 أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل على منهج الله وتعليمه.
 
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
 أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به والاهتداء إليه ومعرفته وعبادته وطاعته وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته وإلى عقله وإلى معرفته وإلى إرادته وإلى اتجاهه وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات ومن هذه الأمانة الكبرى تنبثق سائر الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى.

 ومن هذه الأمانات أمانة الشهادة لهذا الدين الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له ترجمة حية في شعورها وسلوكها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومزيته بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان وهي إحدى الأمانات.

 ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم ف « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » على هذا الأساس أداء لإحدى الأمانات.
كما أن الأمانة بكل مدلولاتها هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.

 ومن هذه الأمانات الداخلة في ثنايا ما سبق أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم.
 أمانة المعاملات والودائع المادية.
 وأمانة النصيحة للراعي وللرعية.
 وأمانة القيام على الأطفال الناشئة.
 وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي.

[وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ]
 ويجملها النص هذا الإجمال فأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين الناس جميعا لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا فهذه الصفة صفة الناس هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا مؤمنين وكفارا أصدقاء وأعداء سودا وبيضا عربا وعجما.
 والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل متى حكمت في أمرهم.

هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة إلا على يد الإسلام وإلا في حكم المسلمين وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا لأنهم ناس لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه الناس وذلك هو أساس الحكم في الإسلام .
[إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ]
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله سبحانه وتوجيهه ونقف أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه.
 فالأصل في تركيب الجملة إنه نعم ما يعظكم الله به ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة فيجعله اسم إن ويجعل نعم ما نعمًا ومتعلقاتها في مكان خبر إن بعد حذف الخبر ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به ثم إنها لم تكن عظة إنما كانت أمرًا ولكن التعبير يسميه عظة لأن العظة أبلغ إلى القلب وإسرع إلى الوجدان وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء
[إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرا]
 فالله يسمع ويبصر قضايا العدل وقضايا الأمانة.
 والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير وإلى مراعاة الملابسات والظواهر وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر.
 وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.



إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ]ً [ سورة النساء - الآية  105 - 112 ]

ثم كانت الآيات ذوات العدد تتنزل لإنصاف يهودي فرد من اتهام ظالم وجهته إليه عصبة من المسلمين من الأنصار ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادىء السامقة بعد ولم تخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية كل الخلوص.
 فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي والتواطؤ على اتهامه والشهادة ضده في حادث سرقة درع أمام النبي ص حتى كاد أن يقضي عليه بحد السرقة ويبرىء الفاعل الأصلي تنزلت هذه الآيات ذوات العدد فيها عتاب شديد للنبي ص وفيها إنحاء باللائمة على العصبة من أهل المدينة - الذين آووا النبي ص وعزروه ونصروه -  إنصافا ليهودي - من تلك الفئة التي تؤذي رسول الله ص أشد الإيذاء وتنصب لدعوته وتكيد له وللمسلمين هذا الكيد اللئم -  وفيها تهديد وإنذار لمن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا وفيها من ثم تلك النقلة العجيبة إلى تلك القمة السامقة وتلك الإشارة الوضيئة إلى ذلك المرتقى الصاعد لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي.



[إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ،
وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً]

إننا نحس في التعبير صرامة يفوح منها الغضب للحق والغيرة على العدل ; وتشيع في جو الآيات وتفيض منها وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله ص بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين يدافع عنهم ويجادل وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه عن هذه المجادلة .

[وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ]

ثم تكرار هذا النهي ; ووصف هؤلاء الخائنين الذين جادل عنهم صلى الله عليه و سلم بأنهم يختانون أنفسهم وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا وهم خانوا غيرهم في الظاهر ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم فقد خانوا الجماعة ومنهجها ومبادئها التي تميزها وتفردها.
 وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها وهم منها.
 ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء حيث يكرههم الله ويعاقبهم بما أثموا وهي خيانة للنفس من غير شك.
 وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة.

 [إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا]
 وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ولا أن يحامي عنهم أحد وقد كرههم الله للإثم والخيانة.

[يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً]
 
وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية زرية بما فيها من ضعف والتواء وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ; ويستخفون بها عن الناس والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون ; مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون وهم يزورون من القول مالا يرضاه فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف وكان الله بما يعملون محيطًا إجمالا وإطلاقا فأين يذهبون بما يبيتون والله معهم إذ يبيتون والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب ; على كل من جادل عن الخائنين
ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]

إنها آيات ثلاث تقرر المبادىء الكلية التي يعامل بها الله عباده ; والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء.

[ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيمًا]

الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه وباب المغفرة على سعته ; وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب.
 والذي يعمل السوء يظلم غيره ويظلم نفسه وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين ; ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بواب حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفورا رحيما.

[ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما]

 والآية الثانية تقرر فردية التبعة وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة.
 الخوف من عمله وكسبه.
 والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره .

ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة.
 كما أنه ليست هناك كفارة غير الكفارة التي تؤديها النفس عن نفسها وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب توازن عجيب في هذا التصور الفريد هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته التي تطمئن الفطرة وتحقق العدل الإلهي المطلق ; المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان.

[ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا]
 
والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البرى ء وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينًا.
 البهتان في رميه البرى ء.
 والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمى به البرى ء.
 وقد احتملهما معه وكأنما
هما حمل يحمل على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور.

 وبهذة القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي:
 يحاسب كل فرد على ما اجترح ولا يدع المجرم يمضي ناجيا إذا ألقى جرمه على سواه.
 وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه.
 ويضرب موعدا مع الله سبحانه في كل لحظة للتائبين المستغفرين الذين يطرقون الأبواب في كل حين بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران.
 ‘‘ فماذا ماذا يملك الإنسان أن يقول إلا أنه المنهج الفريد الذي يملك وحده أن يلتقط الجماعة البشرية من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة في مثل هذا الزمن القصير.’’

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق