السبت، 13 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الرابع - سورة آل عمران


مقتطفات من الجزء الرابع - سورة آل عمران

الآيات المختارة :

[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]
14 ، 15 – آل عمران

[الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] 16 ، 17 آل عمران

[كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ] 110 – آل عمران

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ، هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] 137 - 139 آل عمران

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] 200 – آل عمران

-------------------------------------------------------------------------------------------
سيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص.
 ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها.

وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية وفعل القرآن إلى جانب الأحداث في هذه الحياة وتفاعله معها في شتى الجوانب.
وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة .
 كذلك يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم وتتألم وتحتمل وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة وفي صبر ومجاهدة تتجلى فيها كل خصائص الإنسان وكل ضعف الإنسان وكل طاقات الإنسان ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق.

 إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا وسنحس أنه معنا اليوم وغدا وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية.
 إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا هذا نجم قديم رجعي يحسن أن يستبدل به نجم جديد تقدمي أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان.

-------------------------------------------------------------------------

[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]
14 ، 15 – آل عمران

وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ; إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ; وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ; وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى.

إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ; ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ; ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ; ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ; ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ; واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها ; وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ; وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى.

 ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة.

وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ولا تطغى على ما سواه ذلك متاع الحياة الدنيا ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة متاع هذه الأرض القريب فأما من أراد الذي هو خير خير من ذلك كله خير لأنه أرفع في ذاته وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات

 وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة وفوقها رضوان من الله وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان

 [قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد] وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ويؤمر الرسول ص أن يبشر به المتقين هو نعيم حسي في عمومه ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات وأن تنساق فيها كالبهيمة فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ويرتفعون بالتطلع إليه وهم في هذه الأرض قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا وفيه زيادة.

 فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها لا كالحرث المحدود الميقات.
 وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ففي الآخرة أزواج مطهرة وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة.
 فأما الخيل المسومة والأنعام وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات.
 ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع هنالك رضوان من الله رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان.
 والله بصير بالعباد بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة ثم وصف لهؤلاء العباد يصور حال المتقين مع ربهم الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان.
----------------------------------------------------------

 [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] 16 ، 17 آل عمران

وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم فهو إعلان للإيمان وشفاعة به عند الله وطلب للغفران وتوق من النيران وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة.
 
[الصابرين]
 في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى وثبات على تكاليف الدعوة وأداء لتكاليف الحق وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر وقبول لحكمه ورضاء.
[و الصادقين]
 وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود وترفع عن الضعف ; فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة.
[و القانتين]
 وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ; وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه.
[و المنفقين]
 وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ; وانفلات من ربقة الشح ; وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ; وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس.
[و المستغفرين بالأسحار]
 والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة.
 ولفظة الأسحار بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ; وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان.

 هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون المنفقون المستغفرون بالأسحار لهم رضوان من الله وهم أهل لهذا الرضوان ظله الندي ومعناه الحاني وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة وفي رفق ورحمة وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها وفي مراعاة لضعفها وعجزها وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ودون ما كبت ولا إكراه ودون ما وقف لجريان الحياة فطرة الله ومنهج الله لهذه الفطرة.
---------------------------------------------------------------

[كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ] 110 – آل عمران

[كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله]

إن التعبير بكلمة أخرجت المبني لغير الفاعل تعبير يلفت النظر وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله.
 إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى لطيفة الدبيب حركة تخرج على مسرح الوجود أمة أمة ذات دور خاص لها مقام خاص ولها حساب خاص [كنتم خير أمة أخرجت للناس] وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها وأن يكون لديها دائما ما تعطيه ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح والتصور الصحيح والنظام الصحيح والخلق الصحيح والمعرفة الصحيحة والعلم الصحيح هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها وتحتمه عليها غاية وجودها واجبها أن تكون في الطليعة دائما وفي مركز القيادة دائما ولهذا المركز تبعاته فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له وهي بتصورها الاعتقادي وبنظامها الاجتماعي أهل له فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي وبعمارتها للأرض قياما بحق الخلافة أهلا له كذلك ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ; ويدفعها إلى السبق في كل مجال لو أنها تتبعه وتلتزم به وتدرك مقتضياته وتكاليفه.

[تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر]
 وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أخرجت للناس لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون [نحن أبناء الله وأحباؤه] كلا إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر وإقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر .
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب وبكل ما في طريقها من أشواك إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد وكل هذا متعب شاق ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة.

[وتؤمنون بالله]
ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون.
 ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد ومن سلطان الله في الضمائر وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.
 ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ويحتملوا تكاليفه وهم:
 يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته.
 ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها.
 ويواجهون هبوط الأرواح وكلل العزائم وثقلة المطامع.
 وزادهم هو الإيمان وعدتهم هي الإيمان وسندهم هو الله وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل وكل سند غير سند الله ينهار وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها ؛  ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية التي تعرف بها في المجتمع الإنساني فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله فهي موجودة وهي مسلمة وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة وغير متحققة فيها صفة الإسلام .
 وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول
صلى الله عليه و سلم وتوجيهاته:
قال
صلى الله عليه و سلم « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم » ثم جلس وكان متكئا فقال « لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » أي تعطفوهم وتردوهم.
 و قال
صلى الله عليه و سلم « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ».
و
قال
صلى الله عليه و سلم « سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله » وغيرها كثير وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته

[ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون]
 
وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان فهو خير لهم خير لهم في هذه الدنيا يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية.
 إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم فتقوم أنظمتهم الاجتماعية من ثم على غير أساس عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل وعلى تفسير كامل للوجود ولغاية الوجود الإنساني ومقام الإنسان في هذا الكون وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير ثم هو بيان كذلك لحالهم لا يبخس الصالحين منهم حقهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم منهم عبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وكعب بن مالك وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال وفي آية تالية بالتفصيل.
 أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده وأن ينصره وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله أرادها للناس أجمعين.

-------------------------------------------------------------------

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ، هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] 137 - 139 آل عمران

[قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ]
والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور فهم ليسوا بدعا في الحياة
 فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافا إنما هي تتبع هذه النواميس فإذا هم درسوها وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول.
 والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أبصارهم إليها هي عاقبة المكذبين على مدار التاريخ ومداولة الأيام بين الناس والابتلاء لتمحيص السرائر وامتحان قوة الصبر على الشدائد واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.
 وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال والمواساة في الشدة والتأسية على القرح الذي لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم كذلك وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا وأهدى منهم طريقا ومنهجا والعاقبة بعد لهم والدائرة على الكافرين قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها وحاضرها بماضيها فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها.
 وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم ولم تكن معارفهم ولم تكن تجاربهم قبل الإسلام لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة لولا هذا الإسلام وكتابه القرآن الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى وخلق به منهم أمة تقود الدنيا.
 إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم ; فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان إنما حملتها إليهم هذه العقيدة بل حملتهم إليها وارتقت بهم إلى مستواها في ربع قرن من الزمان.
 على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ; ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية إلا بعد أجيال وأجيال.
 فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية وأنه إلى الله تصير الأمور.
 فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله واتسع له تصورها ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان بعد هذا إلى مشيئته الطليقة.
 [قد خلت من قبلكم سنن]
 وهي هي التي تحكم الحياة وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله بمشيئة الله في زمانكم وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم.
 [فسيروا في الأرض]
 فالأرض كلها وحدة والأرض كلها مسرح للحياة البشرية والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر. [فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين]
 وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدا ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة وكي تحذر الإنزلاق مع المكذبين من جهة أخرى وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان.
 
[هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين]

هذا بيان للناس كافة فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي ولكن طائفةخاصة هي التي تجد فيه الهدى وتجد فيه الموعظة وتنتفع به وتصل على هداه طائفة المتقين إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل وبالهدى والضلال إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل إنما تنقص الناس الرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان ولا يحفظهما إلا التقوى.
 ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ومن هدى ومن نور ومن موعظة ومن عبرة إنما هي للمؤمنين وللمتقين فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة واحتمال مشقات الطريق وهذا هو الأمر وهذا هو لب المسألة لا مجرد العلم والمعرفة فكم ممن يعلمون ويعرفون وهم في حمأة الباطل يتمرغون إما خضوعا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة وإما خوفا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة وبعد هذا البيان العريض يتجه إلى المسلمين بالتقوية والتأسية والتثبيت.

[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
لا تهنوا من الوهن والضعف ولا تحزنوا لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون.
 عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه.
 ومنهجكم أعلى فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله.
 ودوركم أعلى فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها الهداة لهذه البشرية كلها وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق.
 ومكانكم في الأرض أعلى فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها وهم إلى الفناء والنسيان صائرون.
 فإن كنتم مؤمنين حقا فأنتم الأعلون وإن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص.

----------------------------------------------------------------------------
خاتمة سورة آل عمران:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] 200 – آل عمران

[يا أيها الذين آمنوا]
إنه النداء العلوي للذين آمنوا نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء والتي تلقي عليهم هذه الأعباء والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء
 النداء لهم للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى وسياق السورة حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى يذكران مفردين ويذكران مجتمعين وسياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد وعدم الاستماع لدعاة الهزيمة والبلبلة ومن ثم تختم السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة وإلى المرابطة والتقوى فيكون هذا أنسب ختام.

[اصبروا]

 والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة إنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء وبالإيذاء والابتلاء الصبر على أشياء كثيرة الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها وملالها من قريب.
 والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم وأثرتهم وغرورهم والتوائهم واستعجالهم للثمار.
 والصبر على تنفج الباطل ووقاحة الطغيان وانتفاش الشر وغلبة الشهوة وتصعير الغرور والخيلاء.
 والصبر على قلة الناصر وضعف المعين وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق.
 والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ والحنق والضيق وضعف الثقة أحيانا في الخير وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية ; والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة واستقبال الرخاء في تواضع وشكر وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله واستسلام لقدره ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع
والصبر على هذا كله وعلى مثله مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوره حقيقة الكلمات فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق ; وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه.

[و صابروا]
 والمصابرة وهي مفاعلة من الصبر مصابرة هذه المشاعر كلها.
 ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين مصابرتها ومصابرتهم فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى أعدائهم من كوامن الصدور وأعدائهم من شرار الناس سواء فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر والدفع بالدفع والجهد بالجهد والإصرار بالإصرار ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارا وأعظم صبرا على المضي في الطريق.

[و رابطوا]

والمرابطة الإقامة في مواقع الجهاد وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدا ولا تستسلم للرقاد فما هادنها أعداؤها قط منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة والتعرض بها للناس وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد حيثما كانت إلى آخر الزمان.

 إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي منهج يتحكم في ضمائرهم كما يتحكم في أموالهم كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم منهج خير عادل مستقيم
 ولكن الشر لا يستريح للمنهج الخير العادل المستقيم ; والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة ; والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة ومن ثم ينهد لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار وينهد لحربها المستهترون المنحلون لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات ولا بد من مجاهدتهم جميعا ولا بد من الصبر والمصابرة.

 ولا بد من المرابطة والحراسة كي لا تؤخذ الأمة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين الدائمين في كل أرض وفي كل جيل هذه طبيعة هذه الدعوة وهذا طريقها إنها لا تريد أن تعتدي ; ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم وهي واجدة أبدا من يكره ذلك المنهج وهذا النظام ومن يقف في طريقها بالقوة والكيد ومن يتربص بها الدوائر ومن يحاربها باليد والقلب واللسان ولا بد لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها ولا بد لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظة ولا تنام.

[وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]

 والتقوى التقوى تصاحب هذا كله فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل ; ويحرسه أن يضعف ; ويحرسه أن يعتدي ; ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ إلا من يعاني مشاق هذا الطريق ; ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وشتى اللحظات.

 إنه الإيقاع الأخير في السورة التي حوت ذلك الحشد من الإيقاعات وهو جماعها كلها وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل وينوط بها الفلاح في هذا المضمار لعلكم تفلحون وصدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق