الجمعة، 12 أغسطس 2011

مقتطفات من كتاب (فى ظلال القرآن) لـ سيد قطب - من الجزء الأول

الجزء الأول - فاتحة الكتاب


[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ]

لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار يختلط فيها الحق بالباطل والصحيح بالزائف والدين بالخرافة والفلسفة بالأسطورة والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ولا يستقر منها على يقين.

 ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون وفي أمر نفسه وفي منهج حياته قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل.
 ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري.
ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته وعلاقته بالخلائق وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام وظل يجلوها في الضمير ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد حتى يخلصها من كل غبش ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهْم في صورة من الصور.
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية وكليات التصور الإسلامي وكليات المشاعر والتوجيهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها الفاتحة.

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ]

والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه
صلى الله عليه و سلم في أول ما نزل من القرآن وهو قوله تعالى [اقرأ باسم ربك] وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو سبحانه الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده ويبدأ منه كل مبدوء بدأه فباسمه إذن يكون كل ابتداء وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه.
 ووصفه سبحانه في البدء بالرحمن الرحيم يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم ; ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن.
ومهما يختلف في معنى الصفتين أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال ; إنما نخلص منه إلى:
 استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها.
 وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي .
فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي الرحمن الرحيم يمثل الكلية الثانية في هذا التصور ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد.

[الحمد لله رب العالمين]
 وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين
 
و[الحمد لله]
 هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان ومن ثم كان الحمد لله ابتداء وكان الحمد لله ختاما قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة ومع هذا يبلغ من فضل الله سبحانه وفيضه على عبده المؤمن أنه إذا قال الحمد لله كتبها له حسنة ترجح كل الموازين .

 أما شطر الآية الأخير [رب العالمين] فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية والرب هو المالك المتصرف ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين أي جميع الخلائق.
 والله سبحانه لم يخلق الكون ثم يتركه هملا إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه وكل العوالم والخلائق تحفظ وتتعهد برعاية الله رب العالمين.
 والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة.
 والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة وكثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة.
فإطلاق الربوبية في هذه السورة وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعا هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد تقر له بالسيادة المطلقة وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة.
 وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدا ولا تفتر ولا تغيب لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلا يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه فهو لا يفكر إلا في ذاته وأرسطو وهذا تصوره هو أكبر الفلاسفة وعقله هو أكبر العقول.

 [الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]

[الرحمن الرحيم]
 هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة في آية مستقلة لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة ; ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه وبين الخالق ومخلوقاته إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية

 إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في العهد القديم (كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين)

 [مالك يوم الدين]
 
وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها كلية الاعتقاد بالآخرة والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة وكثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله وخلقه للكون أول مرة ; ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء والقرآن يقول عن بعض هؤلاء [ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله]
 ثم يحكي عنهم في موضع آخر [بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد]
 والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ; فلا تستبد بهم ضرورات الأرض وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود وفي مجال الأرض المحصور وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله في الأرض أو في الدار الآخرة سواء في طمأنينة لله وفي ثقة بالخير وفي إصرار على الحق وفي سعة وسماحة ويقين ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال

[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]

مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية وبين العبودية المطلقة للعبيد وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل التحرر من عبودية الأوهام والتحرر من عبودية النظم والتحرر من عبودية الأوضاع وإذا كان الله وحده هو الذي يعبد والله وحده هو الذي يستعان فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ومن القوى الطبيعية

 فأما القوى الإنسانية بالقياس إلى المسلم فهي نوعان قوة مهتدية تؤمن بالله وتتبع منهج الله وهذه يجب أن يؤازرها ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح .

وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية فهي بضلالها عن مصدرها الأول قوة الله تفقد قوتها الحقيقة تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب فما يلبث أن ينطفيء ويبرد ويفقد ناره ونوره مهما كانت كتلته من الضخامة على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعا .

وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة لا موقف التخوف والعداء ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته محكومتان بإرادة الله ومشيئته متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقا مساعدا متعاونا ; وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها ويتعرف إليها ويتعاون وإياها ويتجه معها إلى الله ربه وربها وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحيانا فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها ولقد درج الغربيون ورثة الجاهلية الرومانية على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم قهر الطبيعة ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله وبروح الكون المستجيب لله فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة لله رب العالمين فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة أنه يعتقد أن الله هو مبدع هذه القوى جميعا خلقها كلها وفق ناموس واحد لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها فالله هو الذي يسخرها له وليس هو الذي يقهرها سخر لكم ما في الأرض جميعا وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة ; ولن تقوم بينه وبينها المخاوف إنه يؤمن بالله وحده ويعبد الله وحده ويستعين بالله وحده وهذه القوى من خلق ربه وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها فتبذل له معونتها وتكشف له عن أسرارها فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود وما أروع قول الرسول ص وهو ينظر إلى جبل أحد « هذا جبل يحبنا ونحبه » ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد صلى الله عليه و سلم من ود وألفة وتجاوب بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها .

[اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ]

هذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم،  فهو طريق الذين قسم لهم نعمته لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلا إليه إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين.

خاتمة فاتحة الكتاب:
 وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة والتي لا تصح بدونها صلاة وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي ; وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ص « يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثني علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » ولعل هذا الحديث الصحيح بعدما تبين من سياق السورة ما تبين يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة ; أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق