الآيات المختارة:
[سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] 142 - 144 البقرة
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ] 213،214 البقرة
------------------------------------------------------------------------
يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ; ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو ولها إيقاع موسيقي خاص إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة.
ملابسات نزول سورة البقرة وبدايات الهجرة:
يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ; ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو ولها إيقاع موسيقي خاص إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة.
ملابسات نزول سورة البقرة وبدايات الهجرة:
هذه السورة تضم عدة موضوعات ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا.
فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة واستقبالهم لها ومواجهتهم لرسولها ص وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى.
وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها ; وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها ونقضهم لعهد الله بخصوصها وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم عليه السلام صاحب الحنيفية الأولى وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين.
[سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] 142 - 144 البقرة
بشخصيتها المميزة ابتداء من هذا الجزء (الجزء الثانى) في سورة البقرة نجد التركيز على إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى أمانة العقيدة وأمانة الخلافة في الأرض باسم هذه العقيدة وإن نكن ما نزال نلتقي بين الحين والحين بالجدل مع أعداء هذه الجماعة المناهضين لها وفي مقدمتهم بنو إسرائيل ومواجهة دسائسهم وكيدهم وحربهم للعقيدة في أصولها وللجماعة المسلمة في وجودها كما نلتقي بالتوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة لمواجهة الحرب المتعددة الأساليب التي يشنها عليها خصومها ; وللحذر كذلك من مزالق الطريق التي وقع فيها بنو إسرائيل قبلها.
فأما المادة الأساسية لهذا الجزء ولبقية السورة فهي إعطاء الجماعة المسلمة خصائص الأمة المستخلفة وشخصيتها المستقلة المستقلة بقبلتها ; وبشرائعها المصدقة لشرائع الديانات السماوية قبلها والمهيمنة عليها ; وبمنهجها الجامع الشامل المتميز كذلك وقبل كل شيء بتصورها الخاص للوجود والحياة ولحقيقة ارتباطها بربها ولوظيفتها في الأرض ; وما تقتضيه هذه الوظيفة من تكاليف في النفس والمال وفي الشعور والسلوك ومن بذل وتضحية وتهيؤ للطاعة المطلقة للقيادة الإلهية الممثلة في تعليمات القرآن الكريم وتوجيهات النبي ص وتلقي ذلك كله بالاستسلام والرضى وبالثقة واليقين.
ومن ثم نجد حديثا عن تحويل القبلة يتبين منه أنه يراد بهذه الأمة أن تكون أمة وسطا أهلها شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد ; فلها على الناس في الأرض قيادة وهيمنة وإشراف وتوجيه ونجد دعوة لهذه الأمة إلى الصبر على تكاليف هذه الوظيفة الملقاة على عاتقها وهذا الواجب الذي ستضطلع به للبشرية جميعا ; واحتمال ما سيكلفها في الأنفس والأموال والرضى بقدر الله ورد الأمور كلها إليه على كل حال ثم نجد بيانا وجلاء لبعض قواعد التصور الإيماني حيث يقرر أن البر هو التقوى والعمل الصالح لا تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب وذلك ردا على ما يقوم به اليهود من بلبلة ومن كتمان وتلبيس للحقائق وجدال ومراء فيما يعلمون أنه الحق ومعظم الحديث في هذا القطاع يتعلق بتحويل القبلة وما ثار حوله من ملابسات وأقاويل ثم يأخذ السياق في تقرير النظم العملية والشعائر التعبدية وهما العنصران اللذان تقوم عليهما حياة هذه الأمة وتنظيم مجتمعها ليواجه المهام الملقاة على عاتقها فنجد شريعة القصاص وأحكام الوصية وفريضة الصيام وأحكام القتال في الأشهر الحرام وفي المسجد الحرام وفريضة الحج وأحكام الخمر والميسر ودستور الأسرة مشدودة كلها برباط العقيدة والصلة بالله كذلك نجد في نهاية هذا الجزء بمناسبة الحديث عن الجهاد بالنفس والمال قصة من حياة بني إسرائيل من بعد موسى [إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله].
بشخصيتها المميزة ابتداء من هذا الجزء (الجزء الثانى) في سورة البقرة نجد التركيز على إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى أمانة العقيدة وأمانة الخلافة في الأرض باسم هذه العقيدة وإن نكن ما نزال نلتقي بين الحين والحين بالجدل مع أعداء هذه الجماعة المناهضين لها وفي مقدمتهم بنو إسرائيل ومواجهة دسائسهم وكيدهم وحربهم للعقيدة في أصولها وللجماعة المسلمة في وجودها كما نلتقي بالتوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة لمواجهة الحرب المتعددة الأساليب التي يشنها عليها خصومها ; وللحذر كذلك من مزالق الطريق التي وقع فيها بنو إسرائيل قبلها.
فأما المادة الأساسية لهذا الجزء ولبقية السورة فهي إعطاء الجماعة المسلمة خصائص الأمة المستخلفة وشخصيتها المستقلة المستقلة بقبلتها ; وبشرائعها المصدقة لشرائع الديانات السماوية قبلها والمهيمنة عليها ; وبمنهجها الجامع الشامل المتميز كذلك وقبل كل شيء بتصورها الخاص للوجود والحياة ولحقيقة ارتباطها بربها ولوظيفتها في الأرض ; وما تقتضيه هذه الوظيفة من تكاليف في النفس والمال وفي الشعور والسلوك ومن بذل وتضحية وتهيؤ للطاعة المطلقة للقيادة الإلهية الممثلة في تعليمات القرآن الكريم وتوجيهات النبي ص وتلقي ذلك كله بالاستسلام والرضى وبالثقة واليقين.
ومن ثم نجد حديثا عن تحويل القبلة يتبين منه أنه يراد بهذه الأمة أن تكون أمة وسطا أهلها شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد ; فلها على الناس في الأرض قيادة وهيمنة وإشراف وتوجيه ونجد دعوة لهذه الأمة إلى الصبر على تكاليف هذه الوظيفة الملقاة على عاتقها وهذا الواجب الذي ستضطلع به للبشرية جميعا ; واحتمال ما سيكلفها في الأنفس والأموال والرضى بقدر الله ورد الأمور كلها إليه على كل حال ثم نجد بيانا وجلاء لبعض قواعد التصور الإيماني حيث يقرر أن البر هو التقوى والعمل الصالح لا تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب وذلك ردا على ما يقوم به اليهود من بلبلة ومن كتمان وتلبيس للحقائق وجدال ومراء فيما يعلمون أنه الحق ومعظم الحديث في هذا القطاع يتعلق بتحويل القبلة وما ثار حوله من ملابسات وأقاويل ثم يأخذ السياق في تقرير النظم العملية والشعائر التعبدية وهما العنصران اللذان تقوم عليهما حياة هذه الأمة وتنظيم مجتمعها ليواجه المهام الملقاة على عاتقها فنجد شريعة القصاص وأحكام الوصية وفريضة الصيام وأحكام القتال في الأشهر الحرام وفي المسجد الحرام وفريضة الحج وأحكام الخمر والميسر ودستور الأسرة مشدودة كلها برباط العقيدة والصلة بالله كذلك نجد في نهاية هذا الجزء بمناسبة الحديث عن الجهاد بالنفس والمال قصة من حياة بني إسرائيل من بعد موسى [إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله].
ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام واختار لهم الاتجاه فترة إلى المسجد الأقصى ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ; أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد حتى إذا استسلم المسلمون واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول صلى الله عليه و سلم وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم ، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام.
إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز رمز للتميز والاختصاص تميز التصور وتميز الشخصية وتميز الهدف وتميز الاهتمامات وتميز الكيان والأمة المسلمة اليوم بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ; والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ; والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ; والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها إن هذه العقيدة منهج حياة كامل وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة الشهيدة على الناس المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان وفي الأهداف والاهتمامات وفي الراية والعلامة وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له وأخرجت للناس من أجله وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار مبهمة الملامح مجهولة السمات مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام.
[وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم]
إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول الذي رفع قواعده إبراهيم جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين. وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه فلا على المسلمين منهم ; فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم وما الله بغافل عما يعملون إنهم لن يقتنعوا بدليل لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل ; إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه.
إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز رمز للتميز والاختصاص تميز التصور وتميز الشخصية وتميز الهدف وتميز الاهتمامات وتميز الكيان والأمة المسلمة اليوم بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ; والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ; والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ; والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها إن هذه العقيدة منهج حياة كامل وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة الشهيدة على الناس المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان وفي الأهداف والاهتمامات وفي الراية والعلامة وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له وأخرجت للناس من أجله وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار مبهمة الملامح مجهولة السمات مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام.
[وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم]
إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول الذي رفع قواعده إبراهيم جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين. وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه فلا على المسلمين منهم ; فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم وما الله بغافل عما يعملون إنهم لن يقتنعوا بدليل لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل ; إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه.
-----------------------------------------------------------------
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] 213 - البقرة
هذه هي القصة كان الناس أمة واحدة على نهج واحد وتصور واحد وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم قبل اختلاف التصورات والاعتقادات.
فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد وهم أبناء الأسرة الأولى أسرة آدم وحواء وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعا نتاج أسرة واحدة صغيرة ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم وليجعلها هي اللبنة الأولى وقد غبر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها وتفرقوا في المكان وتطورت معايشهم ; وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة التي فطرهم الله عليها لحكمة يعلمها ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع في الاستعدادات والطاقات والاتجاهات عندئذ اختلفت التصورات وتباينت وجهات النظر وتعددت المناهج وتنوعت المعتقدات وعندئذ:
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] 213 - البقرة
هذه هي القصة كان الناس أمة واحدة على نهج واحد وتصور واحد وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم قبل اختلاف التصورات والاعتقادات.
فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد وهم أبناء الأسرة الأولى أسرة آدم وحواء وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعا نتاج أسرة واحدة صغيرة ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم وليجعلها هي اللبنة الأولى وقد غبر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها وتفرقوا في المكان وتطورت معايشهم ; وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة التي فطرهم الله عليها لحكمة يعلمها ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع في الاستعدادات والطاقات والاتجاهات عندئذ اختلفت التصورات وتباينت وجهات النظر وتعددت المناهج وتنوعت المعتقدات وعندئذ:
[بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه] .
وهنا تتبين تلك الحقيقة الكبرى إن من طبيعة الناس أن يختلفوا ; لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم ; يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض.
إن هذه الخلافة تحتاج إلى وظائف متنوعة واستعدادات شتى من الوان متعددة ; كي تتكامل جميعها وتتناسق وتؤدي دورها الكلي في الخلافة والعمارة وفق التصميم الكلي المقدر في علم الله فلا بد إذن من تنوع في المواهب يقابل تنوع تلك الوظائف ; ولا بد من اختلاف في الاستعدادات يقابل ذلك الاختلاف في الحاجات.
ولا بد أن نقف عند قوله تعالى [بالحق] فهو القول الفصل بأن الحق هو ما جاء به الكتاب ; وأن هذا الحق قد أنزل ليكون هو الحكم العدل والقول الفصل فيما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينهم لا حق غيره ولا حكم معه ولا قول بعده وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد ; وبغير تحكيمه في كل ما يختلف فيه الناس ; وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا مماحكة ولا اعتراض بغير هذا كله لا يستقيم أمر هذه الحياة ; ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة ; ولا يقوم على الأرض السلام ; ولا يدخل الناس في السلم بحال ولهذه الحقيقة قيمتها الكبرى في تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس تصوراتهم وشرائعهم ; والتي ينتهون إليها في كل ما يشجر بينهم من خلاف في شتى صور الخلاف إنها جهة واحدة لا تتعدد هي التي أنزلت هذا الكتاب بالحق ; وهو مصدر واحد لا يتعدد هو هذا الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وهو كتاب واحد في حقيقته جاء به الرسل جميعا.
[ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم]
هذا الاختلاف في الاستعدادات والوظائف ينشى ء بدوره اختلافا في التصورات والاهتمامات والمناهج والطرائق ولكن الله يحب أن تبقى هذه الاختلافات المطلوبة الواقعة داخل إطار واسع عريض يسعها جميعا حين تصلح وتستقيم هذا الإطار هو إطار التصور الإيماني الصحيح الذي ينفسح حتى يضم جوانحه على شتى الاستعدادات وشتى المواهب وشتى الطاقات ; فلا يقتلها ولا يكبحها ; ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح ومن ثم لم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه المختلفون ; وحكم عدل يرجع إليه المختصمون ; وقول فصل ينتهي عنده الجدل ويثوب الجميع منه إلى اليقين.
[ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه].
فهو كتاب واحد في أصله وهي ملة واحدة في عمومها وهو تصور واحد في قاعدته إله واحد ورب واحد ومعبود واحد ومشرع واحد لبني الإنسان ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال ; ووفق أطوار الحياة والارتباطات ; حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق بقيادة الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير.
فهو كتاب واحد في أصله وهي ملة واحدة في عمومها وهو تصور واحد في قاعدته إله واحد ورب واحد ومعبود واحد ومشرع واحد لبني الإنسان ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال ; ووفق أطوار الحياة والارتباطات ; حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق بقيادة الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير.
وهذا الذي يقرره القرآن في أمر الكتاب هو النظرية الإسلامية الصحيحة في خط سير الأديان والعقائد كل نبي جاء بهذا الدين الواحد في أصله يقوم على القاعدة الأصيلة قاعدة التوحيد المطلق ثم يقع الانحراف عقب كل رسالة وتتراكم الخرافات والأساطير حتى يبعد الناس نهائيا عن ذلك الأصل الكبير وهنا تجيء رسالة جديدة تجدد العقيدة الأصيلة وتنفي ما علق بها من الانحرافات وتراعي أحوال الأمة وأطوارها في التفصيلات.
وهذه النظرية أولى بالإتباع من نظريات الباحثين في تطور العقائد من غير المسلمين والتي كثيرا ما يتأثر بها باحثون مسلمون وهم لا يشعرون فيقيمون بحوثهم على أساس التطور في أصل العقيدة وقاعدة التصور كما يقول المستشرقون وأمثالهم من الباحثين الغربيين الجاهليين.
وهذا الثبات في أصل التصور الإيماني هو الذي يتفق مع وظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في كل زمان ومع كل رسول منذ أقدم الأزمان ولم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه الناس وأن يكون هناك قول فصل ينتهون إليه ولم يكن بد كذلك أن يكون هذا الميزان من صنع مصدر آخر غير المصدر الإنساني وأن يكون هذا القول قول حاكم عدل لا يتأثر بالهوى الإنساني ولا يتأثر بالقصور الإنساني ولا يتأثر الجهل الإنساني.
وهذه النظرية أولى بالإتباع من نظريات الباحثين في تطور العقائد من غير المسلمين والتي كثيرا ما يتأثر بها باحثون مسلمون وهم لا يشعرون فيقيمون بحوثهم على أساس التطور في أصل العقيدة وقاعدة التصور كما يقول المستشرقون وأمثالهم من الباحثين الغربيين الجاهليين.
وهذا الثبات في أصل التصور الإيماني هو الذي يتفق مع وظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في كل زمان ومع كل رسول منذ أقدم الأزمان ولم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه الناس وأن يكون هناك قول فصل ينتهون إليه ولم يكن بد كذلك أن يكون هذا الميزان من صنع مصدر آخر غير المصدر الإنساني وأن يكون هذا القول قول حاكم عدل لا يتأثر بالهوى الإنساني ولا يتأثر بالقصور الإنساني ولا يتأثر الجهل الإنساني.
وإقامة ذلك الميزان الثابت تقتضي علما غير محدود علم ما كان وما هو كائن وما سيكون علمه كله لا مقيدا بقيود الزمان التي تفصل الوجود الواحد إلى ماض وحاضر ومستقبل وإلى مستيقن ومظنون ومجهول وإلى حاضر مشهود ومغيب مخبوء ولا مقيدا بقيود المكان التي تفصل الوجود الواحد إلى قريب وبعيد ومنظور ومحجوب ومحسوس وغير محسوس في حاجة إلى إله يعلم ما خلق ويعلم من خلق ويعلم ما يصلح وما يصلح حال الجميع وإقامة ذلك الميزان في حاجة كذلك إلى استعلاء على الحاجة واستعلاء على النقص واستعلاء على الفناء واستعلاء على الفوت واستعلاء على الطمع واستعلاء على الرغبة والرهبة واستعلاء على الكون كله بما فيه ومن فيه في حاجة إلى إله لا أرب له ولا هوى ولا لذة ولا ضعف في ذاته سبحانه ولا قصور.
أما العقل البشري فبحسبه أن يواجه الأحوال المتطورة والظروف المتغيرة والحاجات المتجددة ; ثم يوائم بينها وبين الإنسان في لحظة عابرة وظرف موقوت على أن يكون هناك الميزان الثابت الذي يفيء إليه فيدرك خطأه وصوابه وغيه ورشاده وحقه وباطله من ذلك الميزان الثابت وبهذا وحده تستقيم الحياة ويطمئن الناس إلى أن الذي يسوسهم في النهاية إله إن الكتاب لم ينزل بالحق ليمحو فوارق الاستعدادات والمواهب والطرائق والوسائل إنما جاء ليحتكم الناس إليه وإليه وحده حين يختلفون ومن شأن هذه الحقيقة أن تنشىء حقيقة أخرى تقوم على أساسها نظرة الإسلام التاريخية.
إن الإسلام يضع الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه يضع هذا الكتاب قاعدة للحياة البشرية ثم تمضي الحياة فإما اتفقت مع هذه القاعدة وظلت قائمة عليها فهذا هو الحق وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى فهذا هو الباطل هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعا في فترة من فترات التاريخ فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل وليس الذي يقرره الناس هو الحق وليس الذي يقرره الناس هو الدين إن نظرة الإسلام تقوم ابتداء على أساس أن فعل الناس لشيء وقولهم لشيء وإقامة حياتهم على شيء لا تحيل هذا الشيء حقا إذا كان مخالفا للكتاب ; ولا تجعله أصلا من أصول الدين ; ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين ; ولا تبرره لأن أجيالا متعاقبة قامت عليه وهذه الحقيقة ذات أهمية كبرى في عزل أصول الدين عما يدخله عليها الناس.
وفي التاريخ الإسلامي مثلا وقع انحراف وظل ينمو وينمو فلا يقال إن هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس فهو إذن الصورة الواقعية للإسلام كلا إن الإسلام يظل بريئا من هذا الواقع التاريخي ويظل هذا الذي وقع خطأ وانحرافا لا يصلح حجة ولا سابقة ; ومن واجب من يريد استئناف حياة إسلامية أن يلغيه ويبطله وأن يعود إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولقد جاء الكتاب ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هناك ومن هناك ; وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب والرجوع إلى الحق الذي يردهم إليه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فالبغي بغي الحسد وبغي الطمع وبغي الحرص وبغي الهوى هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج ; والمضي في التفرق واللجاج والعناد وهذه حقيقة فما يختلف اثنان على أصل الحق الواضح في هذا الكتاب القوي الصادع المشرق المنير ما يختلف اثنان على هذا الأصل إلا وفي نفس أحدهما بغي وهوى أو في نفسيهما جميعا فأما حين يكون هناك إيمان فلا بد من التقاء واتفاق.
[فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه]
أما العقل البشري فبحسبه أن يواجه الأحوال المتطورة والظروف المتغيرة والحاجات المتجددة ; ثم يوائم بينها وبين الإنسان في لحظة عابرة وظرف موقوت على أن يكون هناك الميزان الثابت الذي يفيء إليه فيدرك خطأه وصوابه وغيه ورشاده وحقه وباطله من ذلك الميزان الثابت وبهذا وحده تستقيم الحياة ويطمئن الناس إلى أن الذي يسوسهم في النهاية إله إن الكتاب لم ينزل بالحق ليمحو فوارق الاستعدادات والمواهب والطرائق والوسائل إنما جاء ليحتكم الناس إليه وإليه وحده حين يختلفون ومن شأن هذه الحقيقة أن تنشىء حقيقة أخرى تقوم على أساسها نظرة الإسلام التاريخية.
إن الإسلام يضع الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه يضع هذا الكتاب قاعدة للحياة البشرية ثم تمضي الحياة فإما اتفقت مع هذه القاعدة وظلت قائمة عليها فهذا هو الحق وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى فهذا هو الباطل هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعا في فترة من فترات التاريخ فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل وليس الذي يقرره الناس هو الحق وليس الذي يقرره الناس هو الدين إن نظرة الإسلام تقوم ابتداء على أساس أن فعل الناس لشيء وقولهم لشيء وإقامة حياتهم على شيء لا تحيل هذا الشيء حقا إذا كان مخالفا للكتاب ; ولا تجعله أصلا من أصول الدين ; ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين ; ولا تبرره لأن أجيالا متعاقبة قامت عليه وهذه الحقيقة ذات أهمية كبرى في عزل أصول الدين عما يدخله عليها الناس.
وفي التاريخ الإسلامي مثلا وقع انحراف وظل ينمو وينمو فلا يقال إن هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس فهو إذن الصورة الواقعية للإسلام كلا إن الإسلام يظل بريئا من هذا الواقع التاريخي ويظل هذا الذي وقع خطأ وانحرافا لا يصلح حجة ولا سابقة ; ومن واجب من يريد استئناف حياة إسلامية أن يلغيه ويبطله وأن يعود إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولقد جاء الكتاب ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هناك ومن هناك ; وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب والرجوع إلى الحق الذي يردهم إليه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فالبغي بغي الحسد وبغي الطمع وبغي الحرص وبغي الهوى هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج ; والمضي في التفرق واللجاج والعناد وهذه حقيقة فما يختلف اثنان على أصل الحق الواضح في هذا الكتاب القوي الصادع المشرق المنير ما يختلف اثنان على هذا الأصل إلا وفي نفس أحدهما بغي وهوى أو في نفسيهما جميعا فأما حين يكون هناك إيمان فلا بد من التقاء واتفاق.
[فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه]
هداهم بما في نفوسهم من صفاء وبما في أرواحهم من تجرد وبما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق وما أيسر الوصول حينئذ والاستقامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو هذا الصراط الذي يكشف عنه ذلك الكتاب وهو هذا المنهج الذي يقوم على الحق ويستقيم على الحق ولا تتقاذفه الأهواء والشهوات ولا تتلاعب به الرغاب والنزوات والله يختار من عباده لهذا الصراط المستقيم من يشاء ممن يعلم منهم الاستعداد للهدى والاستقامة على الصراط ; أولئك يدخلون في السلم وأولئك هم الأعلون ولو حسب الذين لا يزنون بميزان الله أنهم محرومون ولو سخروا منهم كما يسخر الكافرون من المؤمنين.
وتنتهي هذه التوجيهات التي تستهدف إنشاء تصور إيماني كامل ناصع في قلوب الجماعة المسلمة تنتهي بالتوجه إلى المؤمنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة الاختلاف بينهم وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب وما كان يجره هذا الخلاف من حروب ومتاعب وويلات يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة وليكونوا لها أهلا أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم ; وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر ; وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة ; حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزعهم شدة ولم ترهبهم قوة ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة استحقوا نصر الله لأنهم يومئذ أمناء على دين الله مأمونون على ما ائتمنوا عليه صالحون لصيانته والذود عنه واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة وارفع ما تكون عن عالم الطين.
[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ] 214 - البقرة
هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة.
إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه من الرسول الموصول بالله والمؤمنين الذين آمنوا بالله إن سؤالهم متى نصر الله ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة ولن تكون إلا محنة فوق الوصف تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب فتبعث منها ذلك السؤال المكروب متى نصر الله.
وتنتهي هذه التوجيهات التي تستهدف إنشاء تصور إيماني كامل ناصع في قلوب الجماعة المسلمة تنتهي بالتوجه إلى المؤمنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة الاختلاف بينهم وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب وما كان يجره هذا الخلاف من حروب ومتاعب وويلات يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة وليكونوا لها أهلا أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم ; وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر ; وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة ; حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزعهم شدة ولم ترهبهم قوة ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة استحقوا نصر الله لأنهم يومئذ أمناء على دين الله مأمونون على ما ائتمنوا عليه صالحون لصيانته والذود عنه واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة وارفع ما تكون عن عالم الطين.
[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ] 214 - البقرة
هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة.
إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه من الرسول الموصول بالله والمؤمنين الذين آمنوا بالله إن سؤالهم متى نصر الله ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة ولن تكون إلا محنة فوق الوصف تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب فتبعث منها ذلك السؤال المكروب متى نصر الله.
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة عندئذ تتم كلمة الله ويجيء النصر من الله ألا إن نصر الله قريب إنه مدخر لمن يستحقونه ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء الذين يصمدون للزلزلة الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله وعندما يشاء الله وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون فحسب إلى نصر الله لا إلى أي حل آخر ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله ولا نصر إلا من عند الله بهذا يدخل المؤمنون الجنة مستحقين لها جديرين بها بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله وحده والشعور به وحده وإغفال كل ما سواه وكل من سواه.
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ويرفعها على ذواتها ويطهرها في بوتقة الألم فيصفو عنصرها ويضيء ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجا كما وقع وكما يقع في كل قضية حق يلقي أصحابها ما يلقون في أول الطريق حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين.
على أنه حتى إذا لم يقع هذا يقع ما هو أعظم منه في حقيقته يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة والحرص على الحياة نفسها في النهاية.
وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف وهذا هو الطريق هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى وللجماعة المسلمة في كل جيل هذا هو الطريق إيمان وجهاد ومحنة وابتلاء وصبر وثبات وتوجه إلى الله وحده ثم يجيء النصر ثم يجيء النعيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق