السبت، 13 أغسطس 2011

مقتطفات من الجزء الثالث – سورة البقرة (2)



الآيات المختارة:

[يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ] 269 - البقرة
[وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] 281 - البقرة
[آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] 285، 286 البقرة
--------------------------------------------------------------

نستحضر في أنفسنا أن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ; ورائدها الناصح ; وأنه هو مدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها وأن الله سبحانه كان يربي به الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض وناط بها هذا الدور العظيم بعد أن أعدها له بهذا القرآن الكريم.
 وأنه تعالى أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي الباقي بعد وفاة الرسول –صلى الله عليه و سلم-  لقيادة أجيال هذه الأمة وتربيتها وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به كلما اهتدت بهديه واستمسكت بعهدها معه واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن واستعزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية وهي بصفتها هذه مناهج الجاهلية.
 إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى ولكنه دستور شامل دستور للتربية كما أنه دستور للحياة العملية ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها ; وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم عليه السلام وقدمها زادا للأمة المسلمة في جميع أجيالها تجاربها في الأنفس وتجاربها في واقع الحياة كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم وذلك الرصيد المتنوع.
ما نرجحه وهو أن الله سبحانه علم أن أجيالا من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر فيها بنو إسرائيل وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل ; فعرض عليها مزالق الطريق مصورة في تاريخ بني إسرائيل لتكون لها عظة وعبرة ; ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد الله سبحانه قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مدار الطريق.
ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا .
 سنجد عنده ما نريد وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق ; وتقول لنا هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه وتقول لنا هذا عدو لكم وهذا صديق وتقول لنا كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة وتقول لنا حديثا طويلا مفصلا دقيقا في كل ما يعرض لنا من الشؤون وسنجد عندئذ في القرآن متاعا وحياة .
; وسندرك معنى قوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم] فهي دعوة للحياة للحياة الدائمة المتجددة لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ.
-------------------------------------------------------------
[يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ] 269 - البقرة
والله لا يعطي المال وحده ولا يعطي المغفرة وحدها إنما يعطي الحكمة وهي توخي القصد والاعتدال وإدراك العلل والغايات ووضع الأمور في نصابها في تبصر وروية وإدراك يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا أوتي القصد والاعتدال فلا يفحش ولا يتعدى الحدود ; وأوتي إدراك العلل والغايات فلا يضل في تقدير الأمور.
-----------------------------------------------------------------
[وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] 281 - البقرة
واليوم الذي يرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم عسير له في القلب المؤمن وقع ; ومشهده حاضر في ضمير المؤمن وله في ضمير المؤمن هول والوقوف بين يدي الله في هذا اليوم خاطر يزلزل الكيان وهو تعقيب يتناسق مع جو المعاملات  جو الأخذ والعطاء جو الكسب والجزاء إنه التصفية الكبرى للماضي جميعه بكل ما فيه والقضاء الأخير في الماضي بين كل من فيه فما أجدر القلب المؤمن أن يخشاه وأن يتوقاه.
 إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق الضمير ; يقيمه الإسلام هناك لا يملك القلب فرارا منه لأنه في الأعماق هناك إنه الإسلام النظام القوي الحلم الندي الممثل في واقع أرضي رحمة الله بالبشر وتكريم الله للإنسان والخير الذي تشرد عنه البشرية ; ويصدها عنه أعداء الله وأعداء الإنسان.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------

[آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] 285، 286 البقرة

خاتمة سورة البقرة:
 
هي أطول سور القرآن والكبيرة بموضوعاتها التي تمثل قطاعا ضخما رحيبا من قواعد التصور الإيماني وصفة الجماعة المسلمة ومنهجها وتكاليفها وموقفها في الأرض ودورها في الوجود ; وموقف أعدائها المناهضين لها وطبيعتهم وطبيعة وسائلهم في حربها ; ووسيلتها هي في دفع غائلتهم عنها من جهة وتوقي مصيرهم المنكود من جهة أخرى كما شرحت السورة طبيعة دور الإنسان في الأرض وفطرته ومزالق خطاه ممثلة في تاريخ البشرية وقصصها الواقعي .

هذا ختام السورة الكبيرة في آيتين اثنتين ولكنهما تمثلان بذاتهما تلخيصا وافيا لأعظم قطاعات السورة يصلح ختاما متناسقا مع موضوعاتها وجوها وأهدافها، وفي هاتين الآيتين كل كلمة لها موضعها ولها دورها ولها دلالتها الضخمة لتمثيل ما وراءها وهو كبير من حقائق العقيدة من طبيعة الإيمان في هذا الدين وخصائصه وجوانبه ومن حال المؤمنين به مع ربهم وتصورهم لما يريده سبحانه بهم وبالتكاليف التي يفرضها عليهم ومن التجائهم إلى كنفه واستسلامهم لمشيئته وارتكانهم إلى عونه.

 لقد بدأت السورة بقوله تعالى [ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون] .
وورد في ثناياها إشارات إلى هذه الحقيقة وبخاصة حقيقة الإيمان بالرسل جميعا.
 وها هي ذي تختم بقوله تعالى [آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله] وهو ختام يتناسق مع البدء كأنهما دفتا كتاب وقد حوت السورة الكثير من تكاليف الأمة المسلمة وتشريعاتها في شتى شؤون الحياة.
وقد فرض في السورة على المؤمنين القتال ; وأمروا بالجهاد والإنفاق في سبيل الله لدفع الكفر والكافرين وهي تختم بالتجاء المؤمنين إلى ربهم يستمدون منه العون على ما كلفهم والنصر على عدوهم [أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين] .إنه الختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل.



[آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون]
وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته ; لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة ; وتعرف أي مرتقى رفعها الله إليه عنده وهو يجمع بينها وبين الرسول
صلى الله عليه و سلم في صفة واحدة في آية واحدة من كلامه الجليل آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون وإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربه هو إيمان التلقي المباشر تلقي قلبه النقي للوحي العلي واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة ; وبلا أداة أو واسطة وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها ولا يدركها من الوصف على حقيقتها إلا من ذاقها كذلك فهذا الإيمان إيمان الرسول ص هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول ص بطبيعة الحال وكيان أي سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه. فما هي طبيعة هذا الإيمان وحدوده؟

[كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير]
إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة ، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين صف المؤمنين وصف الكافرين حزب الله وحزب الشيطان فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان.

[كل آمن بالله]
والإيمان بالله في الإسلام قاعدة التصور وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة وقاعدة الخلق وقاعدة الاقتصاد وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك الإيمان بالله معناه إفراده سبحانه بالألوهية والربوبية والعبادة ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة.

وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس لا عبادة الشعائر ولا عبادة الخضوع والدينونة فلا عبادة إلا لله ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد من الله فهذا هو معنى الإيمان بالله.

[و ملائكته]
والإيمان بملائكة الله طرف من الإيمان بالغيب ، وهو يخرج الإنسان من نطاق الحواس المضروب على الحيوان ; ويطلقه يتلقى المعرفة مما وراء هذا النطاق الحيواني ; وبذلك يعلن إنسانيته بخصائصها المميزة ذلك بينما هو يلبي فطرة الإنسان وشوقه إلى المجاهيل التي لا تحيط بها حواسه ولكنه يحس وجودها بفطرته فإذا لم تلب هذه الأشواق الفطرية بحقائق الغيب كما منحها الله له اشتطت وراء الأساطير والخرافات لتشبع هذه الجوعة ; أو أصيب الكيان الإنساني بالخلخلة والاضطراب.
 الإيمان بحقيقة الملائكة شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود فلا تنكمش صورة الكون في تصور المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه وهو ضئيل كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله ; تشاركه إيمانه بربه وتستغفر له وتكون في عونه على الخير بإذن الله وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك ثم هنالك المعرفة المعرفة بهذه الحقيقة وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به.

[وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله]

والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها الإسلام فالإيمان بالله يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم فكلهم جاء من عند الله بالإسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم ; حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين محمد ص فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة.

وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله ; وتقوم على دين الله في الأرض وهي الوارثة له كله ; ويشعر المسلمون من ثم بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى يوم القيامة فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل وهم المختارون لحمل راية الله وراية الله وحدها في الأرض يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون في الأرض على اختلاف الأسماء والمصطلحات واختلاف الزمان والمكان.

إن رصيد الإيمان الذي تقوم الأمة المسلمة حارسة عليه في الأرض ووارثة له منذ أقدم الرسالات هو أكرم رصيد وأقومه في حياة البشرية إنه رصيد من الهدى والنور ومن الثقة والطمأنينة ومن الرضى والسعادة ومن المعرفة واليقين.

 وما يخلو قلب بشري من هذا الرصيد حتى يجتاحه القلق والظلام وتعمره الوساوس والشكوك ويستبد به الأسى والشقاء ثم يروح بتخبط في ظلماء طاخية لا يعرف أين يضع قدميه في التيه الكئيب وصرخات القلوب التي حرمت هذا الزاد وحرمت هذا الأنس وحرمت هذا النور صرخات موجعة في جميع العصور هذا إذا كان في هذه القلوب حساسية وحيوية ورغبة في المعرفة ولهفة على اليقين.

 فأما القلوب البليدة الميتة الجاسية الغليظة فقد لا تحس هذه اللهفة ولا يؤرقها الشوق إلى المعرفة ومن ثم تمضي في الأرض كالبهيمة تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع وقد تنطح وترفس كالبهيمة أو تفترس وتنهش كالوحش ; وتزاول الطغيان والجبروت والبغي والبطش وتنشر الفساد في الأرض ثم تمضي ملعونة من الله ملعونة من الناس.

 والمجتمعات المحرومة من تلك النعمة مجتمعات بائسة ولو غرقت في الرغد المادي خاوية ولو تراكم فيها الإنتاج قلقة ولو توافرت لها الحريات والأمن والسلام الخارجي وأمامنا في أمم الأرض شواهد على هذه الظاهرة لا ينكرها إلا مراوغ يتنكر للحس والعيان.

[وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير]

والمؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم ويعرفون أنهم صائرون إليه فيطلبون مغفرته من التقصير.
ويتجلى في هذه الكلمات أثر الإيمان في السمع والطاعة السمع لكل ما جاءهم من عند الله والطاعة لكل ما أمر به الله فهو إفراد الله بالسيادة والتلقي منه في كل أمر فلا إسلام بلا طاعة لأمر الله وإنفاذ لنهجه في الحياة ولا إيمان حيث يعرض الناس عن أمر الله في الكبيرة والصغيرة من شؤون حياتهم ; أو حيث لا ينفذون شريعته أو حيث يتلقون تصوراتهم عن الخلق والسلوك والاجتماع والاقتصاد والسياسة من مصدر غير مصدره فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ومع السمع والطاعة الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء الله حق شكرها ; وفرائض الله حق أدائها والالتجاء إلى رحمة الله لتتدارك تقصيرهم وعجزهم بسماحتها.
ولكن طلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداء بلا عناد أو نكران وإنما يعقبه كذلك اليقين بأن المصير إلى الله المصير إليه في الدنيا والآخرة المصير إليه في كل أمر وكل وإرادته.


[لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت]

إن الله سبحانه لا يريد اعنات هذه الأمة ولا إثقالها وأنه كذلك لا يحابيها كما زعمت يهود عن ربها ولا يتركها سدى.
فردية التبعة فلا تنال نفس إلا ما كسبت ; ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت فردية التبعة ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة وما قيد فيها له أو عليه فلا يحيل على أحد ولا ينتظر عون أحد.

 ورجعة الناس إلى ربهم فُرادى من شأنها حين يستيقنها القلب أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق وتقف كل إنسان مدافعا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء وكل طغيان وكل إضلال وكل إفساد فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكا فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال أو تحت القهر والطغيان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له ; وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردا وحيدا ولا خوف من هذه الفردية في هذا المقام فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه بوصفه طرفا من حق الله في نفسه فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه وفي جهده ونصحه وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فردا فيتلقى هنالك جزاءه.


[ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وأعف عنا واغفر لنا وارحمنا].

وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية ; فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع ; عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم ; وإدراكهم لضعفهم وعجزهم وحاجتهم إلى رحمته وعفوه وإلى مدده وعونه ; وإلصاق ظهورهم إلى ركنه والتجائهم إلى كنفه وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه ; واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح.

[ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا]

 فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر أو التعالي عن الطاعة والتسليم ; أو الزيغ عن عمد وقصد ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه ; وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا فقال رسول الله ص « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » .

[
ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا]

 وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله ومعرفتهم كما علمهم ربهم في هذا القرآن بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم ; وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم فقد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بعملهم  ، وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم للعجل ، وحرم عليهم السبت أن يبتغوا فيه تجارة أو صيدا.

 وهكذا فالمؤمنون يدعون ربهم ألا يحمل عليهم أثقالا كالتي حملها على الذين من قبلهم وقد بعث الله النبي الأمي يضع عن المؤمنين به من البشر كافة إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فجاءت هذه العقيدة سمحة ميسرة هينة لينة تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة وقيل للرسول صلى الله عليه و سلم [ونيسرك لليسرى].

 على أن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم- فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه -  هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر.

 عبودية العبد للعبد ممثلة في تشريع العبد للعبد وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده وتلقي الشريعة منه وحده وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد إن العبودية لله وحده متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة ومن سلطان السدنة والكهنة ومن سلطان الأوهام والخرافات ومن سلطان العرف والعادة ومن سلطان الهوى والشهوة ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي اعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار ودعاء المؤمنون ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد ; كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق ربنا.

[ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به]
 وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيا كان ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم إنه طمع الصغير في رحمة الكبير ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير.

[وأعف عنا واغفر لنا وارحمنا]
 ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان ونيل الرضوان فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء ومن رحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران قال رسول الله
صلى الله عليه و سلم « لا يدخل أحدكم الجنة بعمله » قالوا ولا أنت يا رسول الله قال « ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته » وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن عمل بكل ما في الوسع وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز ورجاء بعد ذلك في الله لا ينقطع وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح.

[ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين]

وأخيرا يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله وهم يهمون بالجهاد في سبيله لإحقاق الحق الذي إراده وتمكين دينه في الأرض ومنهجه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين ; ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات ; ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد ; وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين.

إنه الختام الذي يلخص السورة ويلخص العقيدة ويلخص تصور المؤمنين وحالهم مع ربهم في كل حين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق